الخميس، 25 فبراير 2016

تجديد الخطاب الديني وأصول الحكم

جريدة الاخبار - 25/2/2016

يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، أن الاستبداد هو غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة. والحكومة المستبدة هي الحكومة المطلقة العنان، والتي تتصرف في شئون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين. ويري الكواكبي أن أفجر أنواع الاستبداد هو الاستبداد باسم الدين. والإسلام جاء مؤسساً علي الحكمة والعزم، ومحكماً لقواعد الحرية السياسية، ونزع كل سلطة دينية أو تغليبية تتحكم في العقول أو النفوس أو الأجساد. فالحكم في الإسلام أساسه العدل بين الناس أي التسوية بينهم. وعلي حد تعبير الكواكبي، فإن الناظر المدقق في تاريخ الإسلام-وللأسف -يجد للمستبدين من الخلفاء والملوك وبعض العلماء وبعض مقلديهم من العرب المتأخرين أقوالاً افتروها علي الله ورسوله، تضليلاً للأمة عن سبيل الحكمة.

وقد كان الشيخ/ علي عبد الرازق أول من تصدي من المحدثين إلي ما أصاب مفهوم الخلافة من انحراف أدي إلي الاستبداد باسم الدين، وذلك في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، والذي نشره عام 1925. فيقول الشيخ الجليل أن لقب خليفة رسول الله، والذي كان أول من لقب به الخليفة "أبو بكر الصديق" رضي الله عنه، أحاط به كثير من المفاهيم الخاطئة جعلت من الخلافة مركزا دينيا. وكان من مصلحة السلاطين أن يروجوا ذلك الخطأ بين الناس حتي يتخذوا من الدين دروعاً تحمي عروشهم حتي أفهموا الناس أن طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله. ثم ما كان الخلفاء والسلاطين -ومنهم السلاطين العثمانيون - ليكتفوا بذلك ولا ليرضوا بما رضي به الخلفاء الراشدون، بل جعلوا السلطان خليفة الله في أرضه وظله الممدود علي عباده، فزعم أبو جعفر المنصور أنه هو سلطان الله في أرضه. وقال عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته باشتمال منصب الخلافة علي الدين والدنيا، وجعل جانب من الفقهاء أن للخليفة وحده الأمر والنهي، وأن كل ولاية دونه فهي مستمدة منه، وكل وظيفة تحته فهي مندرجة في سلطانه، وكل خطة دينية أو دنيوية فهي متفرعة عن منصبه.


وصار بند الخلافة في الفقه يلتصق بالمباحث الدينية -علي حد قول الشيخ/ عبد الرازق، وصارت الخلافة "جزءًا من عقائد التوحيد"، يدرسه المسلم مع صفات الله تعالي وصفات رسله الكرام، ويلقنه كما يلقن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله!!!
ويصف الشيخ/ عبد الرازق ذلك بالجناية، فيتهم الحكام بأنهم غذّوا هذا الفكر الاستبدادي، وأنهم حجبوا عن شعوبهم مسالك النور باسم الدين، واستبدوا بهم أيضاً باسم الدين وأذلّوهم، وحرّموا عليهم النظر في علوم السياسة، و"باسم الدين خدعوهم وضيقوا علي عقولهم، فصاروا لا يرون لهم وراء ذلك الدين مرجعاً، حتي في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة". وقد أرجع الشيخ/ عبد الرازق تنامي هذا الاتجاه نتيجة جمود الفقه، وموات قوي البحث ونشاط الفكر بين المسلمين مما أصابهم بشلل في الفكر السياسي والنظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء.

ويري الشيخ/ علي عبد الرازق، أن الدين الإسلامي بريء من شطط الفقه الذي ربط به الخلافة والاستبداد، فالدين الإسلامي بريء من كل ما هيأوا حول الخلافة والحكم من رغبة ورهبة ومن تصرف في شئون الرعية بلا مسئولية.

ويختم الشيخ بحثه بما هو أقرب إلي الصرخة: "لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخري، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلّوا له واستكانوا إليه وأن يبنوا نظام حكومتهم، علي أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم علي أنه خير أصول الحكم".

وقد تعرض الشيخ/ علي عبد الرازق بسبب آرائه المجددة لهجوم عنيف من رجالات الملك فؤاد في ذلك الوقت، فقد كان لدي هذا الأخير الطموح لكي يصبح خليفة المسلمين علي حساب أنقاض الخلافة العثمانية، كما تعرض الشيخ لهجوم عنيف من الأزهر ورجالاته، واعتبروا ما يقوله الشيخ خروجاً عن القواعد الأصولية، وإنكاراً لما هو معروف من الدين بالضرورة، وجرّدوه من شهادة العالمية، واتفق القصر مع لجنة كبار العلماء، فاستتبع ذلك فصله من عمله من القضاء.

إن ما قاله الشيخ/ علي عبد الرازق، ومن قبله الكواكبي، وما قاله الإمام/ محمد عبده في ذات السياق، وما سار عليه أحمد لطفي السيد باشا وزملاؤه؛ لم يكن للإيحاء بالبعد عن الدين أو فصل الدين عن الدنيا، وإنما كان نداء لفهم الدين علي صورة أخري، وتجديد خطابه وفقهه، و"تخليصه من الخرافات والأوهام والتفسيرات الخاطئة" علي حد تعبير محمد زكي عبد القادر في كتابه "محنة الدستور" الذي أصدره عام 1953.

لقد كانت حركة الإخوان المسلمين تعتمد في جوهرها علي إحياء فكرة الخلافة في الحكم بكل ما يشوبها من تشوهات، وهل لنا أن ننسي الصيحات التي أطلقها تجار الدين في قاعة المؤتمرات الكبري في عام 2013. لقد نشأت حركة الإخوان علي يد الشيخ/ حسن البنا بعد سقوط الخلافة العثمانية، واعتمد مؤسس الجماعة علي إحياء فكرة الخلافة بكل تشوهاتها، فهل هذا ما يريده شيوخ الأزهر وفقهاء الدين لمصرنا وشعوب المسلمين؟

هل حقاً تتعارض الدولة الحديثة ونظم الحكم المقارن مع الشريعة الإسلامية؟ هل تتعارض شريعتنا مع السلطة المقيدة للحاكم؟ هل تتعارض الانتخابات البرلمانية والرقابة البرلمانية علي الحكومة مع أحكام الشريعة الإسلامية؟ هل تتعارض أفكار تداول السلطة التنفيذية مع مبادئ الشريعة الإسلامية؟ هل يتعارض النظام الجمهوري الدستوري مع قواعد شريعتنا؟ هل يوجد أي تعارض بين أحكام الشرع ونظم الإدارة الحديثة، وقواعد الحوكمة والإدارة الرشيدة؟ هل النظم الحديثة تتعارض مع الشريعة أم تتعارض مع آراء الفقهاء الأوائل؟ هل الخلافة أصل من أصول الإسلام رغم أنه لم يرد ذكرها في القرآن لا تصريحاً ولا تلميحاً؟!! أما آن الأوان لتجديد الخطاب الديني كما نادي الرئيس السيسي وإحياء الفقه الإسلامي وعلاجه مما أصابه من جمود وتقليد علي مدار قرون طويلة؟ أما آن الأوان لرجالات الأزهر والفقهاء المعاصرين لكي يكونوا عوناً للمصريين علي بناء مصر الحديثة، وأن يكونوا جزءًا من المستقبل، والحل، وشركاء في النهضة والتنمية؟

هل يعيب ديننا الحنيف أن نرجع في تدبير الجيوش، وعمارة المدن، وتنظيم الدواوين الحكومية، وإصلاح النظام المؤسسي للجهاز الحكومي، وتطبيق النظم الإلكترونية في الإدارة، وتداول السلطة بالانتخاب؛ إلي آراء العارفين والمتخصصين من غير رجال الدين؟ إذا كانت إجابتكم بأنه لا يوجد ما يمنع؛ فأرجوكم ارفعوا صوتكم، وجاهروا بآرائكم، وحدثوا الفقه، ولا تحاربوا التجديد ولا الحداثة فكم من جرائم ترتكب باسم الإسلام، وهو منها براء، هل حقاً من يلاحقون الكتاب والمفكرين ببلاغات وتهم ازدراء الدين يسعون للدفاع عن الدين الإسلامي الحنيف أم يسعون إلي الشهرة والأضواء، ولو علي حساب الدين والحريات بل علي حساب مصر واستقرارها؟ اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 18 فبراير 2016

البرنامج الحكومي والخطايا العشر

جريدة الاخبار - 18/2/2016

تفننت الحكومات المتعاقبة في إصدار قرارات مفاجئة وبدأ الحوار بشأنها بعد إصدارها وليس قبل إصدارها


أول مقال لي في سلسلة مقالاتي الأسبوعية نُشر في 31/7/2014 أي منذ عام ونصف تقريباً تحت عنوان "الخطايا العشر". وكان الهدف من المقال إسداء النصح للحكومة لتجنب اقتراف أخطاء عشرة إن وقعت كانت في ظني أنها ستؤثر سلباً علي مسيرة الإصلاح، وقد استخلصت هذه الخطايا العشر من التجربة المصرية علي مدار الخمس سنوات الماضية، ومن القراءة المتأنية لتجارب دول أخري نجحت بامتياز مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة والإمارات والبرازيل ورواندا الأفريقية. كما طالعت تجارب دول أخري حاولت ولم تفلح محاولاتها بعد كما حدث في الأرجنتين وفنزويلا.

وبالمراجعة المتأنية لما حدث خلال الأعوام الماضية فإننا اقترفنا عدداً من الخطايا العشر مما أدي إلي تعثر الإصلاح في بعض جوانبه رغم وجود إرادة سياسية حديدية للنهوض بالدولة، وعلي الرغم من مجهودات جبارة وجهود مخلصة بُذِلت من العديد من المؤسسات المصرية، ولكن النتائج لم تكن بذات حجم الطموحات، وليست علي ذات قدر المجهود الذي بذل. ونحن علي أعتاب تقديم برنامج حكومة المهندس/ شريف إسماعيل إلي مجلس النواب لعله من المفيد تقييم التجربة المصرية علي مدار العامين الماضيين، ونرجو مخلصين من الحكومة أن تتجنب ارتكاب هذه الخطايا في المستقبل لكي تنجح مسيرة الإصلاح، ونخرج من المحن السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها في أسرع وقت. أولي الخطايا التي ارتكبت كانت في ظني خطيئة التراخي في تنفيذ خطط الإصلاح علي العديد من المسارات، فعلي المسار الاقتصادي علي سبيل المثال بدأنا بقوة في مواجهة العجز في الموازنة برفع محدود للدعم عن المواد البترولية وتوجيه جزء منه إلي الخدمات العامة وإلي برامج التضامن الاجتماعي، إلا أننا توقفنا عن استكمال ذلك رغم أنه كان لدينا فرصة مثالية نتيجة لانخفاض سعر البترول بشكل غير مسبوق مما كان سيجعل الآثار التضخمية محدودة، وأرجو ألا نفوت عام 2016 لأنها في رأيي الفرصة الأخيرة في هذا الاتجاه، وكذلك نجحنا بجدارة في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، وكانت الفرصة ذهبية لتحقيق الانطلاقة نحو جذب ما لا يقل عن عشرة مليارات دولار سنوياً كاستثمار أجنبي مباشر ورفع معدلات النمو الاقتصادي إلي 7% سنوياً، ورفع درجة تنافسية الاقتصاد المصري محلياً ودولياً، وزيادة مساهمة الصادرات إلي نحو 20% من معدل النمو، والقضاء علي ظاهرة العجز في الفائض النقدي الأجنبي، إلا أننا فشلنا في كل ذلك، ولم نستغل الفرصة التي لن تتكرر وتخاذلنا في إزالة معوقات الاستثمار علي كافة الجوانب، فابتعد المستثمرون عنا لصالح دول أخري. وتراخينا بشكل مريب في تنفيذ الاتفاقات أو المشروعات التي تم الإعلان عنها في شرم الشيخ.

أما الخطيئة الثانية، فقد وضح أن عملية الإصلاح تجري من خلال جزر منعزلة، فكان وزراء المجموعة الاقتصادية يفاجأون بقرارات تتعلق بسعر الدولار أو بالتعامل علي العملة الأجنبية من شأنها التأثير علي الصناعات المحلية، واستيراد مستلزمات الإنتاج دون أي تنسيق مسبق، والعكس صحيح كان كثير من السياسات المالية أو الضريبية تتخذ بشكل مفاجئ يربك السياسة النقدية، والأمثلة كثيرة في قطاعات أخري. لم يعد من المستغرب أن تجد تصريحات متناقضة للوزراء والهيئات، إن مجهودات الإصلاح ستذهب في مهب الريح لو استمرت المؤسسات الحكومية، وغيرها من مؤسسات الدولة كل منها يعمل في جزر منعزلة. فهل يمكن للسياحة أن تنجح بدون التنسيق الكامل ووضوح الهدف بين وزارة السياحة والطيران والنقل والآثار والداخلية. وهذا العبء يقع علي رئيس الوزراء بشكل مباشر.

أما الخطيئة الثالثة، فتمثلت في غياب الرؤية الواضحة لمجهودات الإصلاح وتكاملها، فالرؤية الحكومية في أي منحي من مناحي العمل الحكومي كالسياحة والتعليم والصحة تعني وضوح صورة المستقبل مع التوضيح لعموم الناس لماذا يجب أن يعمل الجميع علي تحقيق هذا المستقبل، فالرؤية علي هذا النحو لها أغراض ثلاثة هي توضيح الاتجاه العام للتغيير، وتحفيز الناس وأصحاب القرار علي التحرك واتخاذ قرارات في الاتجاه الصحيح لتحقيق هذه الرؤية أو الهدف، وأخيراً التنسيق بين تحركات وقرارات المئات من الهيئات والأجهزة الحكومية وآلاف العاملين في هذه الجهات. لقد افتقدنا البوصلة في العديد من المجالات خلال العام ونصف الماضيين خاصة بشأن الإصلاحين الاقتصادي والمؤسسي.

أما الخطيئة الرابعة، فتمثلت في التواصل الخاطئ مع أصحاب المصالح المشروعة والرأي العام، فتفننت الحكومات المتعاقبة في إصدار قرارات مفاجئة وبدأ الحوار بشأنها بعد إصدارها وليس قبل إصدارها، كما أن التواصل مع الإعلام كان دائماً كردة فعل بشأن حدث أو قرار أو أزمة وليس بشكل مؤسسي ومتواصل، فمن لا يعلم بالحقائق أكثر حدة ونقداً ممن يعلم بالحقائق، كما كان من الواضح أن عبء التواصل مع الرأي العام والإعلام ألقي كله علي رئيس الدولة، وبدأت أستشعر الأمل في تحركات رئيس الوزراء الأخيرة ولقاءاته مع الصحفيين والإعلاميين وممثلي البرلمان، وأرجو أن تكون هذه التحركات دلالة علي تغير إيجابي جديد في هذا الاتجاه.

وأما الخطيئة الخامسة، فكانت السماح في غير القليل من الحالات للمعوقات بالحيلولة دون تنفيذ الأهداف الواضحة، فأخفقنا في تمرير قانون الخدمة المدنية بسبب سوء التنسيق بين الحكومة والبرلمان، وعدم الاستماع لصوت العقل، ومازلنا لا نستطيع جذب استثمارات حقيقية لأننا سمحنا للبيروقراطية والكفاءات المحدودة أن تعرقل سياسات الإصلاح. لا يجوز قبول أو السماح لأحد بالحيلولة دون سياسات الإصلاح المتفق عليها.

أما الخطيئة السادسة، فكانت الإخفاق في خلق نجاحات حقيقية وسريعة علي المدي القصير تمس المواطن. لا شك أنه كانت هناك بعض النجاحات في مجال الإسكان الاجتماعي والكهرباء والتضامن الاجتماعي وتوفير رغيف العيش، والسلع الضرورية. أهمية النجاحات السريعة في أنها تبث الأمل في المستقبل، وأننا نتجه في الاتجاه الصحيح، انعدام الأمل في الغد يقتل الطموح ويقتل الصبر، ويجعلنا نعيش اجتماعياً علي بركان. يجب إلي جانب ما تحقق من نجاحات التعامل مع أمور يومية بشكل أكثر إيجابية مثل المرور والتعامل مع القمامة والنقل العام والمزلقانات، والمستشفيات العامة الرئيسية، والمحاكم وخدمات الشهر العقاري والتوثيق. لن يقبل غالبية الناس السير في طريق الإصلاح إلي نهايته ما لم يشهدوا دلالة واضحة أن رحلة الإصلاح إلي نهايتها ستؤدي إلي النتائج المرجوة منها وستحقق أهدافها.

أما الخطيئة السابعة، فتمثلت في الإعلان عن تحقيق نجاحات وانتصارات قبل الأوان، فمثل هذه الإعلانات تشكك في مصداقية الحكومة، كما أن الإفراط في الوعود له مردود سلبي، فرفع سقف التوقعات دون تحقيق لها يصيب الناس بالإحباط المجتمعي، وهو ما حدث بالضبط في أعقاب مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي.

أما الخطيئة الثامنة، فتمثلت في سوء إدارة الملف الإعلامي، وضعف التواصل السياسي مع النقابات المستقلة، والصفين الثاني والثالث من التنفيذيين من الجهات الحكومية، فهم جزء من صنع القرار وتنفيذه، فثقافة التغيير والإصلاح حتي تكون منهاجاً للعمل يجب أن يمتد الحوار والتواصل إلي الخطوط الخلفية من الجهاز الحكومي.

وفي قناعاتي أن الرئيس ومعه الحكومات المتعاقبة قد نجحوا إلي حد كبير في ألا تكون سياسات الإصلاح الاقتصادي علي حساب العدالة الاجتماعية، وهذه في رأيي كانت من نقاط الضعف الرئيسية في البرنامج الإصلاحي قبل 2010، يجب أن نستمر في ذلك الاتجاه ونتجنب هذه الخطيئة التاسعة في المستقبل.

أما الخطيئة العاشرة، فهي من الأمور التي لا يمكن إصلاحها في يوم وليلة، ولكن يجب البدء فيها، فإهمال الإصلاح المؤسسي للأجهزة الحكومية قنبلة موقوتة، فعلي الحكومة أن تعمل خلال المرحلة الإصلاحية علي ضخ كفاءات قيادية جديدة إلي الجهاز الحكومي خاصةً بالنسبة للصفين الثاني والثالث إلي جانب تصعيد الكفاءات الموجودة. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك


الخميس، 11 فبراير 2016

الأمثال العامية والحالة المصرية

جريدة الاخبار - 11/2/2016

ومن أروع الأمثال: "قالوا لعنتر: إنت تضرب ألف؟ قال أضرب ألف وورايا ألف".

للعلامة "أحمد تيمور باشا" كتاب بديع جمع فيه الأمثال العامية المصرية وشرحها ورتبها حسب الحرف الأول من المثل. وقد كان والده رئيس الديوان الخديوي علي عهد الخديوي إسماعيل، وأحمد تيمور باشا هو الشقيق الأصغر للشاعرة "عائشة التيمورية".

وهذا الكتاب الرائع يحتوي علي 3188 مثلاً من الأمثال العامية. وعندما تقرأ الكتاب وتطالع صفحاته تدرك علي الفور حكمة من سبقونا وخفة ظلهم. وكم من الأمثال العامية التي قيلت منذ مئات السنين لا تزال تصلح لوصف حالتنا السياسية المصرية الآن.

فـ"آخر خدمة الغز علقة"، هو مثل يشير إلي أن آخر خدمتك وإخلاصك للغزاة الأتراك هو الطرد والعُلَق. ويوجد مثل آخر له ذات المعني يقول "آخر المعروف ينضرب بالكفوف"، وهذا المثل ينطبق علي حالة المسئولين المصريين بعد انتهاء خدمتهم العامة، فنحن من الدول القلائل التي تحتفي بالمسئول عند تعيينه، وتتفنن في إهانته عند توديعه منصبه، وهذه الحالة الغريبة تنطبق علي كافة المسئولين ابتداءً من رئيس الدولة مروراً برئيس الحكومة والوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات ومديري الأمن، انتهاءً برؤساء الهيئات والمصالح الحكومية. ففي العالم المتحضر يتكسب الرئيس أو الوزير بعد خروجه من نشره لمذكراته ومن محاضراته التي يلقيها، أما عندنا نقول له "إياك تتكلم" أو "تفتح بقك". فظاهرة تجريس المسئول وتهميشه أو تجريمه أحياناً بعد خروجه ظاهرة يجب أن تنقشع إلا في حدود القانون، فالاحترام واجب أثناء تأدية الخدمة العامة، وواجب بعد انتهاء الخدمة. والحق يقال إنه خلال الأعوام الخمسة الماضية صار التنكيل والتحرش بالمسئولين شائعاً أثناء الخدمة وبعد الخروج منها علي حد سواء!!

"شاور كبيرك وصغيرك وارجع لعقلك"؛ مثل شعبي يعني أن مشاورة الجميع مفيدة قبل اتخاذ القرار، فشاور الكبير والصغير وبعد ذلك ارجع لعقلك لتميز الغث من الثمين. هذا المثل الشعبي قفز إلي ذهني وأنا أتابع صدور العديد من القرارات غير المدروسة الصادرة عن الجهات الحكومية. إن عملية صنع القرار في مصر بها عطب وخلل، فكثير من القرارات ومشروعات القوانين تجري بليل وفي سرية تامة، وبعيداً عن أعين المتلصصين من المتخصصين!! وتفرض بأدوات فوقية علي أصحاب المصالح المشروعة حيث تتعامل الدولة معهم باعتبارهم من الأعداء، ومن ثم تطبق عليهم نظرية "الحرب خدعة". قراراتنا الإدارية علي مدي عقود طويلة قرارات فوقية ومباغتة وغير متأنية، لذلك كثير منها لا يلقي تأييد الرأي العام لأنه لا يفهمها ولا يقتنع بجدواها ولا يصدق الدافع من إصدارها. ولكم عبرة في قرارات الاستيراد الأخيرة، وقانون الخدمة المدنية، وإجراءات تقييد التعامل بالعملات الأجنبية.

ومن الأمثال العامية المعبرة "ضلالي وعامل إمام، والله حرام". هذا المثل ينطبق علي حال الكثيرين من المدعين بفهم أمور الدين والسياسة عن غير علم أو تخصص، وإما لأهواء خاصة. وينطبق هذ المثل علي أصحاب العقول المتجمدة المتحجرة وعلي كل مسئول ليس في موضعه الصحيح ولا في تخصصه السليم.

ومن أروع الأمثال: "قالوا لعنتر: إنت تضرب ألف؟ قال أضرب ألف وورايا ألف". أي قالوا لعنترة بن شداد: عهدناك تقاتل ألفاً فتهزمهم وحدك لشجاعتك، فقال: نعم إني أفعل ذلك وأنا معتز بألف ورائي ينجدونني إذا احتجت للنجدة، فبوجودهم أصول وأضرب لا بشجاعتي وحدها.الهيئة الهندسية للقوات المسلحة والأجهزة المعاونة للقوات المسلحة تؤدي مهامها في إقامة المشروعات بروح قتالية عالية وانضباط جبار، ولكن دون تأهيل وتدريب للمؤسسات المدنية التنفيذية، ودون التنسيق المتكامل لن ننجح بالشكل الذي نسعي إليه، فالهيئة الهندسية الشجاعة تحتاج إلي ألف شركة ومؤسسة مثلها لتحقيق التنمية.

ومن الأبيات الشعرية التي تحتوي علي أمثال شعبية في غاية اللطافة ذلك الذي يقول فيه الشاعر:
راجي المحال عبيط وآخر الزمر طيط
والعلم من غير حظ لا شك جهل بسيط
تذكرت ذلك البيت، وأنا أعاود قراءة ما نشر عن مشروع توشكي منذ سنوات بعيدة.

"الإبريق المليان ما يلقلقش"، أتذكر هذا المثل حينما أسمع ضوضاء بعض الإعلاميين والسياسيين والبرلمانيين الذين يشعلون الدنيا صراخاً وضجيجاً وجدلاً عقيماً يخلو من أية أفكار موضوعية بناءة. فالإبريق المملوء بالماء لا يسمع صوت الماء فيه، وإنما يسمع صوته إذا كان قليلاً يتحرك بتحرك الإبريق، فلا يجعجع بالدعوي إلا قليل البضاعة، ولا ينعر بالصوت العالي سوي الفارغ من الأفكار والابتكار. ويقترب من المثل الشعبي السابق مثل آخر يقول: "أم قويق عملت شاعرة في السنين الواعرة"، فأم قويق يقصد بها البومة، فهي لا تحسن إلا الصياح المعروف في الأماكن الخربة، وهذا المثل يضرب للعاجز الذي يتعرض للأمر في أصعب حالاته. وفي الفساد وسنينه مثل شعبي معبر يقول: "إن سلم المارس من الحارس فضل من الله"، والمعني أنه قبل أن نفكر في سلامة المارس -أي خط الزرع -من اللصوص ينبغي لنا التفكر في سلامته من حارسه فإن سلم منه فذلك من الله. فعلي الرغم من أننا منذ ثورة 25 يناير حتي الآن نملأ الدنيا صخباً بضرورة محاربة الفساد، وعلي الرغم من أن الدستور الجديد نص علي إنشاء مفوضية عليا لمكافحة الفساد، فيؤسفني أن أقول لكم إن معدلات الفساد الحكومي قد ارتفعت ولم ننشئ المفوضية، ولم نصدر قانون حرية تداول المعلومات، ولم نرفع من كفاءة الأجهزة الرقابية أو نفعل تقاريرها، بل أوكلنا لبعض الأجهزة الرقابية أداء مهام الأجهزة التنفيذية!! ولم نواجه البيروقراطية بأية جدية، ولم تقم لجنة الإصلاح التشريعي التي أنشأها الرئيس بأية من المهام المنوطة بها بل كان المطلب الأول للحكومة وقف نشاطها، ولم ننقح القوانين المتعارضة والعتيقة منذ عام 1883، ولم نشغل أنفسنا بتدريب وتأهيل القيادات التنفيذية في الجهاز الحكومي، وانتشر الفساد في الأجهزة الحكومية بل واستشري في 
الأجهزة الأمنية.

حالنا ونحن نلوث مياه النيل رغم أننا في دائرة الفقر المائي، وحالنا ونحن نهدر أجود الأراضي الزراعية في حين أننا نجاهد للحصول علي الغذاء، وحالنا ونحن نكافح الاستثمار ونحارب المستثمرين ونكره القطاع الخاص في حين أننا في أمسّ الحاجة إلي جذب الاستثمار وزيادة الإنتاج وتشغيل العاطلين ودمج القطاع غير الرسمي في القطاع الرسمي؛ كل هذا يذكرني بالمثل العامي القائل: "بير تشرب منه ماترميش فيه حجر". فلا أعلم ولا أفهم كيف نتلف كل ما فائدته عائدة علينا، ولماذا نحارب كل ما فيه الخير لنا!! ولا شك أن "الغراب ما يخلفش سقر"، ويقصد به الصقر، وهو مثل يضرب في الأمر المستحيل وقوعه، فمن المستحيل أن يخلف الغراب صقرا، ومن المستحيلات أيضاً أن يولّد نظام التعليم الأساسي الحالي أمة متقدمة وشعبا متحضرا، ومن المستحيلات أن تؤدي المعالجات والمواجهات الأمنية وحدها لمكافحة الإرهاب، ومن المستحيلات أن يقود أئمة الجمود والتقليد حركة تجديد الخطاب الديني، ومن المستحيلات أن تقوم الأجهزة الموازية بواجبات ومهام الدولة، ومن المستحيلات أن تقوم الأجهزة التنفيذية الحكومية-دون إعادة هيكلتها وتطويرها وضخ دماء جديدة -بقيادة الإصلاح في التنمية في البلاد.

إن "فقد البصر أهون من فقد البصيرة"، والمعني ظاهر ولا يحتاج إلي شرح، متّع الله مسئولينا وشعبنا بالبصر والبصيرة. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 4 فبراير 2016

برنامـج الحكــومة


جريدة الاخبار- 4/2/2016

يجب أن تعمل الحكومة بدأب علي تغيير الثقافة داخل أجهزتها من خلال تطوير قياداتها التنفيذية البالغ عددهم ١٣ ألف تنفيذي 

أتصور أن برنامج الحكومة الذي سيتم عرضه علي مجلس النواب سيكون برنامجاً إصلاحياً يستهدف معالجة العوار السياسي، والخلل المالي والتمويلي، والترهل الحكومي، والنزيف الاجتماعي

وأياً كانت مشتملات البرنامج لحكومة المهندس/ شريف إسماعيل، فإن نجاح هذا البرنامج الإصلاحي إن وجد يستوجب خطوات ستا لازمة علي رئيس الحكومة ووزرائه ورؤساء الهيئات والمحافظين، ومعاونيهم. أولي هذه الخطوات، هو مصارحة المجتمع بحالة الخطر والضرورة التي نواجهها علي كافة المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فعلي رئيس الحكومة -في رأيي- أن يبدأ برنامجه بمصارحة المجلس والرأي العام بحجم الخطر والأزمة. فالمخاطر الجسيمة والأزمات تستوجب إجراءات حاسمة وقاسية. ولو أن الرأي العام ومجلس النواب والتنفيذيين يدركون حجم هذه الأزمات، فإنهم سيدركون حالة الخطورة وسيتفهمون الإجراءات وحجم الإصلاح الواجب إعماله. فعلي سبيل المثال، وصل الاحتياطي النقدي الأجنبي لمرحلة الخطر، وعلي نحو يهدد الأمن القومي المصري، ويؤثر علي النمو الاقتصادي، وهو ما يقتضي اتخاذ إجراءات حاسمة وبعض السياسات التقشفية، ولكن لن يقتنع أحد بجدوي هذه الإجراءات أو يؤيدها لو لم نفهم حجم المشكلة والخطورة بشكل واضح، وكيف أن الإجراءات المقترحة ستخرجنا من هذه الأزمات، وكيف نضمن ألا ندخل في أزمات أكثر خطورة. لا يجب ترك الرئيس وحده لكي يتحمل مسئولية المصارحة.

وأما الخطوة الثانية، فإن برنامج الحكومة يجب أن يتضمن شرحاً وافياً للمجتمع لأهدافه ورؤاه للمستقبل القريب وأولوياته وآلياته لتحقيق هذه الأهداف. ويجب أن تكون هذه الأهداف واضحة وقابلة للقياس ويمكن لرئيس الدولة والبرلمان والرأي العام متابعة ما تم إنجازه، وما لم يتم ولماذا، فيجب أن يكون هناك أساس للمحاسبة مرتبط بأهداف محددة، وبجدول زمني. فعلي سبيل المثال، مصر تعاني من البطالة بنسبة قد تصل الآن إلي 18%، ويوجد أكثر من 60% من أبناء الشعب المصري تحت سن الخامسة والعشرين، ونحتاج لمواجهة البطالة والحد من الفقر والانهيار الاجتماعي خلق ما لا يقل عن مليون فرصة عمل سنوياً! يجب أن يكون البرنامج الحكومي واضحاً، فلا يمكن القول بأننا نستهدف الحد من البطالة ونقف، بل يجب إذا كنا جادين في الإصلاح أن يقول البرنامج إننا نستهدف علي سبيل المثال 500 ألف فرصة عمل سنوياً عام 2016، و750 ألفاً في عام 2017 ومليون فرصة عام 2018، وذلك من خلال زيادة معدل الاستثمار بنسبة 10% سنوياً، ومن خلال آليات محددة... وهكذا. ونفس الأمر ينطبق علي الخدمات والمرافق العامة وقطاع التعليم والصحة وهو ما يجب ربطه بسياسات واضحة بمواجهة الزيادة السكانية، ويجب أن يكون لكل منها أهداف واضحة، وخطة تنفيذية وبرنامج زمني محدد يصلح كأساس للمحاسبة. ويجب أن يشرح البرنامج آليات تحقيق هذه الأهداف، والأولويات، ولماذا تم تحديد هذه الأولويات خلال هذه المحصلة.

أما الخطوة الثالثة، فهي العمل علي حشد قوي للمجتمع لدعم وتأييد خطوات الإصلاح، والتواصل المستمر مع المواطنين لشرح ما يجري وما تم إنجازه وما نصادفه من معوقات. إن مفردات اللغة والحوار لدي معظم المسئولين صارت رخوة وقديمة وعامة ومبهمة ومتكررة. كما أن لغة الحوار والتواصل الإعلامي المطبقة لم تعد تواكب العصر، ولا لغة الزمان الذي نحن فيه. أنا هنا لا أتحدث عن بيانات الحكومة العقيمة، ولا المداخلات الإعلامية المبتسرة لبعض الوزراء أو رؤساء الأجهزة الحكومية، يجب أن تكون هناك سياسات واضحة للتخاطب مع الجمهور علي كافة المستويات، وبكل الآليات المتاحة. لا يجب التواكل علي رئيس الجمهورية للقيام بدور المتحدث الرسمي والوحيد للسلطة التنفيذية، يجب ضمان أن المعلومات التي تتاح للجمهور علي كافة المستويات، بما في ذلك المحليات، هي معلومات صحيحة وكافية وتصدر في الوقت المناسب.

أما الخطوة الرابعة، لإنجاح البرنامج الإصلاحي فهو ضم فريق عمل حكومي نزيه يتمتع بالكفاءة، والأهم أن يكون مؤمناً بخريطة الإصلاح للعمل الجدي علي التنفيذ. أعي تماماً أن هناك ندرة في الكفاءات المستعدة للانضمام للعمل التنفيذي الحكومي، وأدرك تماماً كم البيروقراطية والتحدي. ولكن علينا أن نؤمن بأن التغيير لا بديل عنه، وأعلم أنه قد تكون هناك أخطاء عند تنفيذ خطة الإصلاح ولكن أخطاء التغيير أفضل كثيراً عن الحالة التي نحن عليها الآن.

ولابد أن يرتبط بهذه الخطوة اتخاذ كل ما يلزم بحسم لإحداث التغيير المتفق عليه من المجتمع دون التردد في التخلص من كافة معوقات التغيير سواء كانت هذه المعوقات إجراءات بيروقراطية أو سياسات أثبتت فشلها علي مدار الخمسين عاماً الماضية، أو تمثلت هذه المعوقات في أشخاص تنفيذيين لا يؤمنون بالتغيير المقترح، أو لم يعودوا قادرين علي إحداثه أياً كانت الأسباب.

وأما الخطوة الخامسة، فهي تتعلق بضرورة تحقيق نجاحات سريعة علي أرض الواقع لبعض المشكلات المستعصية مثل مشكلة النظافة علي سبيل المثال أو بعض الأمور المتعلقة بالعشوائيات، والسكن الاجتماعي، أو توصيل مياه الشرب النظيفة أو تطهير الترع والمصارف... أعي تماماً أن ذلك يقتضي المليارات ويحتاج لسنوات، ويجب أن يكون مرتبطاً بالخطة الاستراتيجية العامة للدولة، ولكن من المهم أن يشعر المواطنون بالأمل وأننا علي الطريق الصحيح، فنحن ندرك نفاد صبر قطاع كبير من المجتمع ونعي ارتفاع سقف التوقعات. وهو ما يستلزم تحقيق بعض الطفرات خاصة فيما يتعلق بالخدمات العامة الملموسة للطبقات الكادحة.

وأما الخطوة السادسة، فهي تتعلق بالاستمرار في المحافظة علي التغيير، والإصرار علي نجاح مسارات الإصلاح المختلفة بشكل متوازن والربط بينها جميعاً. وهنا لابد من وقفة بشأن المستوي المتدني من التنسيق بين جهات الدولة ووزاراتها، فعلي سبيل المثال تقوم إحدي المحافظات الساحلية بإعداد مشروع لتطوير المحافظة وتعد الدراسات علي مدار شهور، وتحدث مقابلات مع المسئولين ومستشاري الرئيس، وفي ذات الوقت تقوم إحدي الوزارات بطرح مناقصة لتطوير نفس المنطقة، وكأننا نعمل في بلدين مختلفين. أيضاً يجب أن نقف عند ظاهرة إصدار تكليفات حكومية أو رئاسية لجهات مختلفة تخص نفس القطاع الفني أو الجغرافي دون أدني تنسيق بين هذه الجهات، فظاهرة تصارع الاختصاصات زادت ولم تقل.

يجب أن تعمل الحكومة بدأب علي تغيير الثقافة داخل أجهزتها من خلال تطوير قياداتها التنفيذية البالغ عددهم 13 ألف تنفيذي بحيث تصير ثقافة التغيير إلي الأفضل جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الوطن ووجدانه.

لقد نجح الرئيس السيسي في العامين الماضيين في إنقاذ الدولة من السقوط والانهيار، والتحدي في العامين القادمين هو النجاح في ألا تسقط الدولة المصرية في براثن الفشل، وأن تعجز عن تحقيق الحد الأدني المطلوب من التنمية والعدالة الاجتماعية لا قدر الله وهو ما يستوجب الإسراع بوتيرة الإصلاح الآن. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الثلاثاء، 2 فبراير 2016

الإصلاح مرهون برفع كفاءة الجهــــــــاز الإدارى

جريدة المال - 1/2/2016


هيبة الدولة تتحقق فى الاحترام والالتزام قبل الإلزام، بمعنى أن تلتزم جهات الدولة بتطبيق القوانين والإجراءات، فأكثر الجهات التى لا تلتزم بسداد التزاماتها المالية هى الأجهزة الحكومية والهيئات العامة، عن الدولة والإصلاح الاداري وطرق جذب الاستثمار للوصول الى معدلات النمو المنشودة جاء حواري مع جريدة المال. اللينك

الخميس، 28 يناير 2016

ماذا بعد رفض البرلمان لقانون الخدمة المدنية؟

جريدة الاخبار - 27/1/2016

وأنا أتابع مناقشات البرلمان التي انتهت إلي رفض المرسوم بقانون رقم 18 لسنة 2015 بإصدار قانون الخدمة المدنية قفز إلي ذهني كلمات «يا مصري ليه دنياك لخابيط» للشاعر الرائع سيد حجاب، والتي تغني بها الفنان المبدع علي الحجار، «يا مصري ليه دنياك لخابيط والغلب محيط... والعنكبوت عشش ع الحيط وسرح ع الغيط... يا مصري قوم هش الوطاويط... كفاك تبليط... صعبة الحياة والحل بسيط... حبة تخطيط»،…… فـ «يا مصري ياللي الغلا عاصرك... قوم للحياة واسبق عصرك... ولا حاجة هترجع مصرك إلا أن تكون شغال ونشيط».

إصلاح الجهاز الحكومي لم يعد خياراً بل هو أمر حتمي، إذا كنا جادين في القضاء علي البيروقراطية والفساد، وتحسين مستوي الخدمة العامة للناس. أما إذا كنا مصممين علي الاكتفاء بالتزييط والتهليل فاتركوا الجهاز الحكومي علي حاله، وعينوا فوق السبعة ملايين موظف الحاليين سبعة ملايين كمان، ودلعوا المواطنين فيكون لكل 6 مواطنين موظف في خدمتهم!!


قانون الخدمة المدنية كان مجرد محاولة لبداية إصلاح الجهاز الحكومي، هذا المرسوم بقانون الذي ألغاه مجلس النواب، أو «العفريت اللي طلعته الحكومة» علي رأي بعض النواب حسبما هو ثابت في مضبطة المجلس كانت الحكمة التشريعية من إصداره إصلاح الخلل وإنهاء حالة السيولة التي أصابت الجهاز الحكومي المصري، ومقاومة البيروقراطية التي صارت أخطر معوقات التنمية في مصر، وأصبحت مرتعاً للفساد بكل صوره.

اجتهد واضعو المرسوم بقانون الخدمة المدنية لتبني أسس فن الإدارة الحديثة، وتحفيز التدريب المستمر، وتطوير أسس نظم التدريب والترقية والنقل والإعارة والإجازة، ووضع نظم تراعي مقتضيات القرن الواحد والعشرين بشأن قواعد السلوك الوظيفي والتأديب، وضبط فوضي الأجور والعلاوات، فالنظم الحالية تسوي بين المجد وغير المجد، وتقتل روح المنافسة الشريفة وتقضي علي الحافز علي التدريب والتقدم، وتتبني مبدأ «إذا عملت كثيراً فسوف تخطئ كثيراً... أما إذا لم تعمل علي الإطلاق فإنك لن تخطئ علي الإطلاق».

السؤال المطروح الآن؛ هل البرلمان المصري ضد الإصلاح كما قالت الحكومة في بعض التصريحات؟ بالتأكيد لا، هل رفض البرلمان المصري كان الهدف منه أن يزيد من العجز المالي للموازنة؟ بالتأكيد لا هل كان هدف البرلمان إسقاط الحكومة وإحراجها؟ بالتأكيد لا، وإلا لماذا وافق علي كافة القوانين الأخري؟ هل كان الباعث علي رفض القانون سعادة النواب بمستوي أداء الخدمة العامة؟ لا شك لا، فهم يشعرون بمعاناة أبناء دوائرهم، ويلمسون تردي مستوي أداء الجهاز الحكومي خاصة في المحليات. هل كان الهدف هو إحراج الرئيس وتقويض جهوده في الإصلاح؟ الإجابة قولاً واحداً لا، فغالبية الأعضاء المنتخبين أعلنوا دون مواراة دعمهم الكامل للرئيس ودعم الدولة.

إذاً ماذا حدث، ولماذا رفضت لجنة القوي العاملة بالإجماع قانون الخدمة المدنية، ولماذا جاء التصويب بأغلبية كاسحة ضد قانون الخدمة المدنية. أي عاقل يعلم أن معارضة سبعة ملايين موظف للقانون لها ما يبررها من وجهة نظرهم. وفي رأيي أن الحكومة ركبت رأسها في رفضها للعدد من المقترحات التي تقدم بها العديد من ممثلي النقابات والموظفين. وأعتقد شخصياً أن وزارة المالية لم تكن محقة عندما أصرت علي سبيل المثال في المادة (36) من المرسوم بقانون علي حصر العلاوة الدورية السنوية بنسبة 5% من الأجر الوظيفي. فالأجور والمرتبات أصلاً متدنية ونسبة الـ 5% كنسبة ثابتة أقل بكثير من معدلات التضخم وتزايد الأسعار السنوي. فكان الأولي وضع نسبة الـ 5% باعتبارها حداً أدني. ولك أن تتخيل لو أن هناك مديراً عاماً يبلغ من العمر 45 سنة، فإن أجره الوظيفي طبقاً للجدول رقم (1) من القانون يبلغ (1335) جنيهاً فقط لا غير، فالزيادة السنوية بمعدل 5% كفيلة بأن يكون هو وأسرته تحت خط الفقر عند بلوغه سن الستين، وأنا هنا أتحدث عن مدير عام، وليس عن موظف في الدرجة الخامسة. هذا مثال علي بعض الاعتراضات علي القانون، ومعظمها دوافعه عدم الثقة في المستقبل. والسؤال لماذا رفض البرلمان القانون، ولماذا أخفقت الحكومة هذا الإخفاق الذريع سياسياً في إقناع النواب بالموافقة علي القانون؟ السبب الأول، أن الحكومة لم تدرك أن هناك ما لا يقل عن مائتي نائب في البرلمان من موظفي الدولة والمحليات، وهؤلاء جميعاً غير مقتنعين بجدوي القانون، ولديهم قناعة أنه سيضرهم وأسرهم. ولا شك أن هؤلاء الأعضاء كان لهم تأثير كبير علي زملائهم عند التصويت والمناقشة. 

ورأي أن السبب الثاني لعدم تمرير القانون يعود إلي عدم إبداء الحكومة أية مرونة إلا في المرحلة الأخيرة عند المناقشة العامة، فبدا الأمر إما الموافقة علي كل شيء أو لا شيء. وهذا السلوك في مواجهة ضغوط الرأي العام ليس بالضرورة هو الحل السياسي الأمثل. ومن ناحية ثالثة في ظني أن الحكومة ارتكبت خطأ سياسياً كبيراً حينما تصورت أن لديها دعماً من الأغلبية اكتفاءً بالتطمينات والكلمات الطيبة من بعض أعضاء البرلمان دون فحص أو تمحيص أو تدقيق في صحة هذه الحسابات. وهو ما كان يستوجب التحرك السياسي بشكل مختلف. والسبب الرابع لرفض القانون يتمثل في إصابة العديد من أعضاء البرلمان بـ«فوبيا 25 يناير» فالكثيرون منهم كان علي قناعة بأن الموافقة علي قانون الخدمة المدنية من شأنه أن يؤدي لإثارة الفتنة وتهييج الرأي العام، بل روج البعض إلي أن الجهات الأمنية ذاتها سيكون لديها قدر كبير من الارتياح لو تم رفض هذا القانون. ولذلك فإن الكثيرين من أعضاء البرلمان الذين صوتوا علي رفض القانون لم يكونوا قد قرأوا نصوصه بقدر من الإمعان، وكان هاجس إثارة الفتنة والمظاهرات كافياً لديهم لرفض القانون لامتصاص ما ظنوه قد يكون ذريعة لمظاهرات أو إشعال الفوضي في البلاد.

والسؤال الآن، بعد أن وقعت الفأس في الرأس، وتم رفض القانون، ماذا يتعين عمله؟ إن الإصلاح المؤسسي للجهاز الحكومي أمر لا نملك رفاهية الامتناع عنه. فالنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في حاجة لجهاز حكومي كفء غير متوافر لدينا الآن، لا يجوز التنازل عن إصدار تشريع إصلاحي يمثل البنية الأساسية لإصلاح الجهاز الحكومي. علي الحكومة أن تعيد دراسة أسباب الرفض بهدوء ومعظمها نفسي لدي الرأي العام. يجب أن تعيد الحكومة الحوار الموضوعي مع أصحاب المصالح المشروعة وأن تعيد النظر بجدية في بعض النصوص التشريعية وخاصة تلك المتعلقة بالأجر الوظيفي والعلاوات الدورية، والترقي، والتدريب. هذا القانون لا يهدف إلي سد عجز الموازنة علي حساب أسر الموظفين، بل يستهدف رفع كفاءة أداء الجهاز الحكومي والقضاء علي البيروقراطية. ليس الهدف من القانون أن يزداد الموظف فقراً علي فقر، ولا زيادة الموارد غير المشروعة لفئة محدودة. علي الحكومة أن تخاطب أعضاء البرلمان والرأي العام دون تعالٍ، وعلي الحكومة أن تتحقق من دعم الرأي العام قبل إعادة القانون مرة أخري بشكله المعدل إلي البرلمان. وعلي الحكومة العمل مع البرلمان بحرفية سياسية، وإقامة كوبري التواصل الإيجابي بين البرلمان والحكومة.

وعلي أعضاء مجلس النواب إعادة النظر في مواقفهم بعد أن انتهينا من الصخب، فعليهم قيادة الإصلاح ومواجهة الرأي العام والدراسة المتأنية للأمور، والاستماع إلي وجهة نظر المتخصصين، علي المجلس أن يدخل ما يراه ضرورياً علي قانون الخدمة المدنية أو تحت أي مسمي آخر لهذا القانون، وعليه أن يسعي لتحقيق الأهداف التي سيصدر القانون من أجلها ألا وهي رفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين مستوي الخدمات العامة، وحماية حقوق العاملين به. حذار من إصدار قانون جديد يعود بنا مرة أخري لقديمه فهذا القديم هو سبب ما نحن الآن عليه من محن وصعوبات. وتذكروا كلمات سيد حجاب مرة أخري، «الحل بسيط... حبة تخطيط ولا حاجة هترجع مصرك.... إلا أن تكون شغال ونشيط». اللينك

استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 21 يناير 2016

علي أعتاب سن الخمسين

جريدة الاخبار - 21/1/2016

تذكر يا صديقي الخمسيني أن الإنجاز لا يحسب بعدد سنين العمر، فحياة الإنسان لا تقاس بالسنين وإنما بقدرته علي التأثير إيجابياً علي من حوله وفي مجتمعه


مواليد عام 1966 أمثالي سيبلغون عامهم الخمسين هذه السنة بإذن الله... متع الله الجميع بالصحة والعمر المثمر. وفي حوار لي مع زميل دراسة من أصحاب الخمسين؛ قال إنه عندما ينظر إلي المرآة لا يصدق أن الشخص الذي يراه في المرآة -وقد زحف الشعر الأبيض إلي رأسه، وظهرت بعض التجاعيد علي وجهه -هو نفسه الشخص الواقف أمام المرآة، فروحه من الداخل لم تصبها التجاعيد، ولم يؤثر عليها سلباً الزمان، علي عكس الأثر الذي تركه هذا الزمان علي ملامح وجهه.

ولجميع مواليد عام 1966، وممن جاوز منهم الخمسين بقليل، دعوني أشارككم بعضا من خواطري بمناسبة العام الخمسيني، وأقول لكل صديق خمسيني هذا العام إنك كبرت عاماً واحداً فقط... فلا تقلق، وإذا أردت أن تنظر إلي المسألة بشكل أكثر إيجابية؛ فإنك هذا العام تحتفل بالعيد السنوي العشرين لعيد ميلادك الثلاثين!!.

وكما قال الكاتب الراحل «ڤيكتور هوجو»: «إنك في سن الأربعين تعد أكبر الشباب سناً، أما في الخمسين فأنت أصغر الشيوخ سناً».

وإذا كنت يا صديقي الخمسيني قد عانيت كثيراً في حياتك لتصل إلي ما أنت عليه الآن؛ فعليك أن تتذكر أن الشيء الوحيد في حياتك الذي لم تتعب فيه أو تبذل مجهوداً بشأنه هو بلوغك سن الخمسين.

وإذا كنت تتمني طوال حياتك وتسعي أن تنمّي ثروتك بسرعة، وأن تحقق نجاحاً مهنياً بسرعة، وأن يكبر أبناؤك بسرعة، وأن تصبح مشهوراً بسرعة... فإنه من الآن وصاعداً عليك أن تسعي جاهداً أن تكبر وتشيخ ببطء شديد، وكفاك سرعة، ففي التأني لبلوغ الشيخوخة السلامة، وفي العجلة الندامة.

ومن الملاحظ أن معظم الأصدقاء الناجحين من أبناء الخمسين يتصرفون في حياتهم الخاصة كما لو كانوا لا يزالون أبناء العشرين، فنصيحة خالصة لهؤلاء إذا كان هذا السلوك مقبولا في سن الأربعين فهو لم يعد كذلك في سن الخمسين.

وعليك أن تتعامل مع اليوم وحاضرك علي أنه هدية ثمينة، فلا تهدرها. ويقول «إلينور روزفلت» في ذلك:»إن الأمس صار تاريخاً، وغداً لا نعرف عنه شيئاً، وأما اليوم فهو هدية من السماء فعلينا أن نقدرها ونحافظ عليها».

وأعد كل أصدقائي الخمسينيين؛ أنني من الآن فصاعداً سأتعامل معهم كصديق بمعني الكلمة... صديق يتذكر أعياد ميلادكم، وينسي أعماركم.

ويا صديقي الخمسيني، عليك أن تعمل بجدية علي الاحتفاظ بروح الدعابة والأمل والقدرة علي الضحك -خاصة من أنفسنا، وعليك أن تحتفظ بقلبك مضيئاً وبعقلك شاباً.

وبمناسبة نية الحكومة في تطبيق ضريبة المبيعات علي كل شيء في حياتنا تحت مسمي «ضريبة القيمة المضافة»، فعليك أن تبدأ في حساب عمرك علي أنه 49 سنة، والباقي ضريبة قيمة مضافة!!

ومن أجمل ما قرأت من نصائح لأصحاب الخمسين ما قاله «تشيلي دافيز» بأن:»كبر السن أمر حتمي لا خيار لنا فيه، أما نضج العقل والفكر فهو أمر اختياري، فاجعل النضج خيارك كلما تقدمت في العمر». وأحد مظاهر النضج هو الموضوعية في الحوار، وانحسار الانفعال عند الاختلاف، وقبول الآخر، وإدراك عيوبك قبل مزاياك، والتصالح مع الماضي... فبلوغك سن الخمسين يا صديقي ونضجك الفكري هو تغير إيجابي في حياتك يميزك عما كنت عليه في شبابك.

وقد آن الأوان يا صديقي الخمسيني، أن تفعل ما تحب وليس ما يحبه غيرك، فما الجدوي من الحياة عند بلوغك الخمسين، وأنت لا تزال لا تستطيع أن تفعل ما تحب واعلم أنك لست مستثني من الفرح أو الحب أو المرح... واستمر في اللعب وممارسة الرياضة إلي أن تضطر إلي إجراء عملية تغيير المفاصل!!

واعلم أنك صرت عجوزاً حينما يصبح لا فارق بين نهارك وليلك، واعلم أنك لا تزال تنتمي لجيل الوسط طالما لا تزال علي قناعة أنك خلال أسبوعين تستطيع بعد قليل من الريجيم والرياضة أن تعود إلي الحالة التي كنت عليها منذ عشر سنوات!!

وأنا علي يقين أنك علي مشارف الخمسين أصبحت أكثر ثقة بنفسك، وربما أكثر جاذبية...


وإذا كنت تعتقد أنك قد تحررت من كثير من قيودك عند سن الأربعين؛ فتأكد أنك أصبحت أكثر تحرراً عند سن الخمسين...

وإذا كان الله قد أمد في عمر والدتك حتي بَلَغت أنت سن الخمسين؛ فعليك أن تقنعها أن تكف من الآن فصاعداً عن الكذب بشأن عمرها، لأنه طبقاً لعمرها المعلن فأنت أصبحت أكبر منها بعدة سنوات.

وتذكر يا صديقي الخمسيني أن الإنجاز لا يحسب بعدد سنين العمر، فحياة الإنسان لا تقاس بالسنين وإنما بقدرته علي التأثير إيجابياً علي من حوله وفي مجتمعه، وبمدي قدرته علي الاستمتاع بكل ما في الحياة من جمال وتجاهل ما فيها من قبح، وعليك أن تَسعَد وتُسِعد بمن تحبهم.

واعلم أنك ستظل شاباً فكراً وروحاً طالما أنك تظل كل يوم تبحث عن شيء جديد في حياتك. وتذكر جيداً أن العجائز هم فقط من يتخلون عن حماسهم في الحياة، فالحياة قرار والموت قرار. وتأكد أنك لن تسقط من منحدر الحياة، وتستطيع أن تحافظ علي البقاء علي قمتها وأنت في الخمسين شريطة أن تكون قد بذلت الجهد الكافي لاعتلاء القمة وأنت لا تزال في الأربعين.

واحتفظ دائماً بقدرتك علي التغيير والتطور، فالعقل الشاب لا يحسب بالسن، وإنما هو ذلك العقل القابل دائماً للتغيير والتطوير، الرافض للجمود الفكري، المستشرف للمستقبل، القابل للجديد... فأنت صاحب فكر مترهل وعجوز -حتي لو كنت في الثلاثين من عمرك -إذا وضعت عقلك في قالب جامد متحجر، وسلمته للآخرين لكي يفكروا نيابة عنك.

وكن حذراً يا صديقي الخمسيني، فأنت شاب لمرة واحدة في الحياة، ولكنك من الممكن أن تكون غير ناضج ومتهور العمر كله، فالتقدم بالعمر لا يكفي وحده لضمان النضج والحكمة، وتذكر أن كلفة التهور في سن الخمسين باهظة وأكثر ضرراً عنها في سن الأربعين.

أنت مقبل يا صديقي الخمسيني علي حياة جديدة، وعليك أن تصدق الكاتبة العظيمة «أجاثا كريستي» حين قالت إن حياة جديدة تفتحت لها عند بلوغها سن الخمسين، فاستمتع بحياتك الجديدة. واعلم أن أخطر أنواع التجاعيد هي تجاعيد العقل والفكر وليست أبداً تجاعيد الوجه... فحافظ علي شباب عقلك وفكرك بالعمل المستمر.

سن الخمسين لن يحميك من الحب، ولكن الحب سيحميك من الأعراض السلبية لسن الخمسين، فأحب من حولك بصدق لكي تستطيع أن تقاوم جفاء الروح إنك تستطيع أن تعيش خمسين عاماً أخري -بإذن الله -بشرط أن تتنازل عن القيام بكل الأشياء التي تجعلك ترغب في الحياة خمسين سنة أخري!! فالقرار قرارك.

ولأصدقائي الخمسينيين ممن يعملون بالسياسة والعمل التنفيذي الحكومي...اعرف أن الفترة من الخمسين إلي السبعين هي الفترة الأصعب والأعقد في حياتك، لأنه سيطلب منك دائماً بذل المزيد من الجهد، وسيعرض عليك المزيد من المناصب، وأنت لم تتحل بعد بالحكمة الكافية لكي ترفض في الوقت المناسب!! فكن حذراً.

هل تعلم أن متوسط عدد الضحكات عند الأطفال يصل إلي 400 ضحكة في اليوم، في حين أن متوسط عدد الضحكات عند البالغين لا يزيد علي 15 ضحكة في اليوم!! فحاول يا صديقي في عيد ميلادك الخمسين أن تسترد الـ385 ضحكة المفقودة.

كل عام ومواليد عام 1966 وجيرانهم من مواليد 1964 و1965 بصحة وخير. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

السبت، 16 يناير 2016

الاقتصاد سيشهد انفراجة كبيرة في‏ 2016

الاهرام المسائي - 16/1/2016

البطالة وارتفاع الأسعار واحتياجات المواطن اليومية مرتبطة بشكل وثيق بتحسن الأوضاع الاقتصادية، وفي حواري مع الأهرام المسائي تركزت الاسئلة علي قراءة طالع المستقبل الاقتصادي، حيث لا تزال التحديات قائمة، الحياة علمتني أن التشاؤم صيغة مرفوضة اذا ما رغبت في الوصول للنجاح فأنا متفائل بعام 2016 بدرجة كبيرة لوجود عدة مؤشرات هامة تأتي علي رأسها:

استكمال البنية التشريعية بانتخاب مجلس النواب، فضلاً عن شعور المواطن بالأمن والبدء في تنفيذ المشروعات التنموية الكُبري مثل محور قناة السويس الجديدة،
ورغم أن الوضع يدعو للتفاؤل هناك تحديات كثيرة لا زالت موجودة منها، قدرتنا علي توفير الطاقة للقطاع الصناعي، وإصلاح إجراءات النظام الجمركي المعقدة والطويلة وتسهيل إجراءات التراخيص والقضاء علي البيروقراطية.

هل يمكن إلغاء الدعم للسيطرة علی عجز الموازنة؟
وماذا عن توقعاتنا الاقتصادية لعام 2016؟
أسئلة كثيرة تضمنها الحوار أدعوكم لقرأته علی هذا اللينك

الخميس، 14 يناير 2016

جمود الفكر وفكر الجمود: وجهان لعملة واحدة

جريدة الاخبار - 14/1/2016

هذه سابقة خطيرة ونذير سوء، وضربة للديمقراطية في مقتل من نواب الشعب.

1- إن قرار البرلمان المصري بوقف البث المباشر يتعارض مع مبدأ الشفافية، ويتعارض مع مبدأ علانية الجلسات الذي أقره الدستور، ويتعارض مع كافة السوابق البرلمانية داخل مصر وخارجها، ويتعارض مع أبسط قواعد الديمقراطية، ويتعارض مع حرية التعبير والرأي... فأول قرار لنواب الشعب هو تحويل البرلمان إلي برلمان سري، وحجب مناقشاته عن الشعب بشكل أو بآخر. قرار آخر للمجلس تداولته الصحف وهالني ما جاء فيه؛ وهو أن رئاسة اللجان المتخصصة - بشكل مؤقت بغرض مناقشة القرارات الرئاسية بقوانين - تم إسنادها إلي أكبر الأعضاء سِنّاً بكل لجنة!! رئاسة الجلسة الإجرائية أمر مفهوم، أما رئاسة اللجان وتسيير عملها ومناقشاتها الموضوعية لقوانين صدرت فهذا أمر آخر يجب أن تكون العبرة فيه بالكفاءة الفنية ودرجة التخصص وليس بالسن... هذه سابقة خطيرة ونذير سوء، وضربة للديمقراطية في مقتل من نواب الشعب!!

2- عند صدور حكم قضائي بحبس «إسلام بحيري» أصدرت تغريدة بأن حرية الفكر يجب ألا تواجه بالحبس، وقد هالني حجم السباب الذي تلقيته، وسوء الأدب والحوار. وبعيداً عن قضية إسلام بحيري؛ فإنه شتان الفارق بين حرية الاجتهاد وازدراء الأديان، فالثورة علي جمود الفقه ومدارس التقليد أمر واجب لحماية الدين. وأنا أتابع هذه المناقشات تذكرت العبارة الخالدة للإمام «محمد عبده» عميد المجددين في القرن الـ(19) حينما وصف الحالة بـ»جمود المسلمين» لا جمود الإسلام. وحينما قال بأن أخطر ما أصاب المسلمين هو جمود الفقه والعقل؛ وأن ذلك كان السبب الرئيسي في تردي حال المسلمين وانهيار علومهم.

أذكر أصحاب العقول الجامدة، والأصوات الحنجورية بما قاله الإمام «محمد عبده» بضرورة «تحرير الفكر من قيد التقليد... والنظر إلي العقل باعتباره قوة من أفضل القوي الإنسانية بل هي أفضلها علي الحقيقة». وكان الإمام محمد عبده ذاته هدفاً للهجوم من قبل التقليديين والمقلدين... لا شك أنه آن الأوان للمصلحين أن يجاهدوا - كما جاهد الإمام «محمد عبده» والشيخ «علي الخفيف» والعلامة «أبو زهرة» والشيخ «مصطفي عبد الرازق» في القرنين التاسع عشر والعشرين - وأن ينتفضوا لتنقيح الفقه الإسلامي وتجديده، فعلي حد تعبير الشيخ الإمام «محمد عبده» فإنه «كان الدين هو الذي ينطلق بالعقل في سعة العلم، ويسبح به في الأرض، ويصعد به إلي أطباق السماء ليقف به علي أثر من آثار الله... فكانت جميع الفنون مسارح للعقل تقتطف من ثمارها ما تشاء... فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين؛ وقف العلم وسكتت ريحه».

لقد طال أمر هذا الجمود لاستمرار عمل العاملين في المحافظة عليه، وولع شهواتهم بالدفاع عنه، وقد حدثت عنه مفاسد كثيرة، الإرهاب والقاعدة وطالبان والداعشيون من شواهدها. الجمود في الفقه الإسلامي، والتقليد في الفكر الديني علّة يجب أن تزول. يجب أن يجاهد حفدة العلم ضد حفدة الجهل، يجب أن يعمل أعوان الأمل علي مجابهة أعوان اليأس، لقد منحنا الله العقل لننظر في الغايات والأسباب والمسببات، فجمود الفقه والإفراط في التقليد هو إنكار للعقل الذي منحنا الله إياه.

الأزهر الشريف يجب أن يكون في قلب الإصلاح المؤسسي لمصر، وأُذكِّر شيخ الأزهر إمامنا الشيخ الطيب بما قاله الإمام «محمد عبده» بشأن إصلاح الأزهر منذ ما يزيد علي مائة عام: «إن بقاء الأزهر متداعياً علي حاله في هذا العصر محال... فهو إما أن يُعمَّر وإما أن يتم خرابه. وإني أبذل جهد المستطيع في عمرانه، فإن دفعتني الصوارف إلي اليأس من إصلاحه فإنني لا أيأس من الإصلاح الإسلامي».

3- علي الرغم من رياح الجهل، وأعاصير تكميم الأفواه، وظلمات العقول التي نشهدها... لاتزال هناك شموع تضاء لنا في طريق الإصلاح. وأحد هذه الشموع حكم قضائي صدر في 6 يناير عام 2016 من محكمة استئناف القاهرة بدائرتها السابعة التجارية، وبعيداً عن وقائع القضية التي تتصل ببطلان حكم تحكيم؛ أكدت المحكمة علي قيمة حرية الرأي وحق النقد، وأن التعبير عن الرأي في صوره المختلفة لا يمكن أن يشكل خطأً قانونياً في ذاته.

اسمحوا لي قرائي الكرام أن أشارككم في قراءة بعض سطور هذا الحكم القضائي الذي يجب أن تضعه السلطتان التشريعية والتنفيذية نصب أعينهما، فتقول المحكمة تأكيداً لأحكام المحكمة الدستورية:»... إن حرية التعبير عن الآراء والتمكين من عرضها ونشرها سواء بالقول أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير إنما تتقرر في الدستور بوصفها الحرية الأصل «الأم» التي لا يتم الحوار المفتوح إلا في نطاقها، ذلك أن ما تتوخاه الدساتير من ضمان حرية التعبير هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير وإليه بقصد أن تترامي آفاقها وأن تتعد مواردها وأدواتها سعياً لتعدد الآراء وإرساء قاعدة من حيدة المعلومات ليكون ضوء الحقيقة مناراً لكل عمل. لذلك فإن حرية التعبير تمثل في ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديمقراطية عنها».

وأكدت المحكمة أن نقد الشئون العامة وتبيان أوجه التقصير في عمل السلطة جزء لا يتجزأ من حرية التعبير التي حماها الدستور، وأنه لا يجوز أن يكون صوت السلطة هو الصوت الوحيد الذي يعبر عن الرأي العام والمجتمع، فتقول المحكمة نقلاً عن المحكمة الدستورية العليا بأن: «حرية التعبير... أبلغ ما تكون أثراً في مجال اتصالها بالشئون العامة وعرض أوضاعها تبياناً لنواحي التقصير فيها بما يحول بين السلطة وفرض وصايتها علي العقل العام وأن لا تكون معاييرها - معايير السلطة - مرجعاً لتقييم الآراء التي تتصل بتكوينه - العقل العام - ولا عائقاً دون تدفق الآراء، لذلك لم يعد جائزاً تقييد حرية التعبير وتفاعل الآراء التي تتولد عنها بأغلال تعوق ممارستها سواء من ناحية فرض قيود مسبقة علي نشرها أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تفرض قمعها».

وتختتم المحكمة حكمها بشأن حماية حرية التعبير بكلمات من نور، أكدت فيها أيضاً علي ما رددته المحكمة الدستورية في كثير من أحكامها بقولها إن: «حرية التعبير... تفقد قيمتها إذا حجبت الآراء، ويعطل تدفق الحقائق التي تتصل باتخاذ القرار... ذلك أن الانعزال عن الآخرين يؤول إلي استعلاء وجهة النظر الفردية وتسلطها، ولعل أكثر ما يهدد حرية التعبير في مجال عرضها أو نشرها -أن يكون الإيمان بها شكلياً أو سلبياً - بأن تصير عبارة بلا معني أو ضرورة، بل يتعين أن يكون الإصرار عليها قبولاً بتبعاتها وألا يفرض أحد علي غيره صمتاً ولو بقوة القانون».

أرجو مخلصاً من الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب - وهو أستاذ القانون الدستوري - أن يتأمل الكلمات السابقة التي سطّرها الحكم القضائي - الذي هو عنوان الحقيقة حسبما تعلمنا في كلية الحقوق. نعم هناك من يتربص ويتحرش بمؤسسات الدولة، ويتمني سقوطها، ولكن مواجهة ذلك لن تكون بحجب البث، ولا بحجب الآراء المعارضة، ولا بالكفر بتعدد الآراء، وبحرية التعبير، فالمواجهة تكون من الداخل من خلال إصلاح ما في مؤسساتنا من عيوب بما فيها مؤسساتنا التشريعية والتنفيذية، بل والقضائية، وإصلاح الخلل في ممارساتنا الخاطئة... نعم هناك أزمة في الإعلام، المشكلة ليست في مبدأ حرية التعبير، ولكن الأزمة في أن من يمارس الإعلام ليس متخصصاً، وأنه لا توجد قواعد للسلوك ولا للممارسة المهنية، ولا ضوابط لمباشرة العمل الإعلامي فالقصور عند أبناء المهنة ومنها نقابة الصحفيين وغرفة الإعلام... الإصلاحين المؤسسي والتعليمي هما الحل. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك