الاثنين، 24 ديسمبر 2012

المقومات الاقتصادية في الدستور المصري الجديد تحتاج إلى تعديل فوري!!

مجلة السياسى - 24/12/2012


تم التصويت على دستور مصر الجديد، وتم وضع مصر كلها أمام الأمر الواقع. وأقولها بعيداً عن أية مؤثرات سياسية، فإن دستورنا الجديد معيب، ومقوماته الاقتصادية لا تصلح لدفع مصر إلى المستقبل وإنما تشده إلى الخلف. وعلينا أن نبدأ من الآن في تعديله!! واستكمال بناء دستور صدر نصف تشطيب.

ومن أولى المواد المتعلقة بالاقتصاد، وتحتاج إلى علاج هي المادة (14). فالمادة المذكورة تربط الأجر بالإنتاج، وهو أمر لا بأس منه، ولكن تستوجب العدالة الاجتماعية ربط الأجر والحد الأدنى له كذلك بمعدلات التضخم وقد أكد المشرع الدستوري على وضع حد أدنى للأجر، وكان الأولى به التزام الدولة بحد أدنى للدخل أسوة بالدستور الألماني. فالمحافظة على كرامة الإنسان المصري وخاصة غير القادرين على العمل تستوجب التزام الدولة بضمان حد أدنى لدخلهم لتحقيق حد أدنى من الحياة الآدمية لأبناء هذا الوطن خاصة أن أكثر من 10 مليون مصري يقل دخلهم عن 250 جنيه شهرياً!!! فأولى مبادئ الاقتصاد الحر الاجتماعي هو التدخل المحدود للدولة في علاقات العمل مقابل تنظيم دورها للحد من الفقر وضمانة عدالة علاقات العمل وصحتها وتقوية مجتمعات العمل وقدراتهم الفنية والتفاوضية.  

ومن الأمور التي يتضمنها الدستور الجديد، وتتعارض مع أبسط المفاهيم الاقتصادية، هو ما جاء في المادة (24) والتي تنص على حماية الملكية الخاصة دون "احتكار"، والمادة في ظاهرها تبدو لغير المتخصص واضحة وعادلة، ولكنها تبدو مادة مضحكة للمتخصصين إذ إن ما تحظره كافة قوانين العالم دون استثناء هو الممارسات الاحتكارية غير المشروعة وليس الاحتكار ذاته، فالاحتكار يعني السيطرة على السوق بشكل معين كأن تقوم شركة بإنتاج دواء معين لا تنتجه غيرها، فشركة فايزر للأدوية شركة محتكرة، وشركة مايكروسوفت العالمية شركة محتكرة، والشركة المنتجة لـ "بامبرز" ولا مؤاخذة شركة محتكرة فالدستور المصري يحظر هذه الشركات!!، وتعد شركات توزيع الكهرباء الحكومية محتكرة، والشركة المصرية للاتصالات محتكرة، كما أن أبسط مبادئ الاقتصاد الاجتماعي هو حرية المنافسة بين الشركات الخاصة والعامة على حد سواء لتحقيق أفضل خدمة وأرخص سعر للمستهلك، فلا يجوز الترخيص بالاحتكار للشركات العامة ما لم يكن ذلك لمقتضيات الأمن القومي أخذاً في الاعتبار أن القطاع الخاص بشقيه الرسمي وغير الرسمي يوظف حوالي 14 مليون مصري في حين يوظف القطاع العام حوالي 5,6 مليون مصري ما هذا العبث؟

ومن عجائب الدستور الجديد في المادة (27) منه أنه في الوقت الذي عانى قطاع الأعمال العام من الفساد الإداري والمالي، وعانى من سوء الإدارة وعدم الفصل بين الملكية والإدارة جاء لينص على ألا يقل تمثيل العمال في مجالس الإدارة عن 50% من مجالس إدارة وحدات القطاع العام. وناهيك عن التسمية الخاطئة إذ لم يعد مصطلح القطاع العام مستخدماً إلا فيما ندر، فإن المشرع الدستوري نص على تمثيل العمال بما لا يقل عن 50% من هذه الشركات، فصار الواقع العملي أن تشكل مجالس الإدارة من العمال وموظفي الحكومة دون اعتبار للكفاءات الفنية. وهو ذات الوضع القائم قبل ثورة (25) يناير وأدى ضمن عوامل أخرى إلى انهيار القطاع العام الاقتصادي فليس من المفهوم ماذا يريد المشرع الدستوري من هذا النص، فلو كان يريد حماية حقوق العمال فإنه كان الأولى به دعم إنشاء النقابات المستقلة بدلاً من تقييدها، وكان عليه دعم آليات المفاوضات الجماعية وتمكين العمال من حماية حقوقهم. إن الإدارة لها فن وأصول فجاء الدستور الجديد ليزيد من أوجاع قطاع الأعمال وسوء الإدارة.

ونأتي إلى المادة (121) والتي تقضي بعدم الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة إلا بعد موافقة مجلس النواب. فخطورة هذه المادة أنها تستلزم موافقة مجلس النواب على أي مشروع مهما بلغت قيمته، وحتى لو كان ضمن خطة الدولة، والموازنة، وحتى ولو كان إنشاء المشروع بناءً على قانون. فضمان وزارة المالية لالتزام وزارة الصحة بإنشاء مستشفى تعليمي يقتضي موافقة مجلس النواب على إنشاء المستشفى، وهكذا بالنسبة للمدارس والطرق والكباري ومحطات الكهرباء والمياه. هل يندرج ذلك ضمن الرقابة على السلطة التنفيذية أم أنه يحل مجلس النواب محل الحكومة. وحتى لا أتهم بإثارة المشاكل، فإنني أضرب لكم مثلاً عملياً شاهدته خلال الأسبوع الماضي، فبعد التصويت على الدستور في المرحلة الأولى توقفت كافة البنوك عن تمويل مشروع إنشاء وتطوير مستشفى تعليمي، يستوجب قيام طيه وزارة المالية قيام وزارة الصحة بأداء التزاماتها المالية بضمان حيث اشترطت البنوك في ظل المادة (121) موافقة البرلمان على المشروع، هل نحن مع التنمية أم مع التعطيل، هل لكم أن تتخيلوا كيف يمكن أن يؤثر ذلك سلباً على إنشاء المشروعات وخاصة ما يتعلق بالصحة والتعليم ومرافق البنية الأساسية وهل من مقتضيات الرقابة الموافقة على مشروع بمشروع أياً كان حجمه وقيمته حتى ولو كان متضمناً في الموازنة العامة للدولة، وصدر بناءً على قانون وفي حدود صلاحيات الحكومة.

وأخيراً فإن المبادئ الاقتصادية الخاصة بالزراعة والتنمية والصناعة واستغلال الموارد الطبيعية جاءت أقوالاً مرسلة وعبارات خاوية لا يمكن أن تصلح لكي تكون مقومات اقتصادية لبناء مصر الحديثة.


أياً ما كان الأمر، فإن دستور مصر الجديد جاء مخيباً للآمال وطموحات مصر الحديثة، فلا شك عندي أن ذلك الدستور المعيب ولد هزيلاً مصاباً بأمراض عضال تحول دون استمراره فتياً قادراً على حمل آمال هذه الأمة. وبعيداً عن الدستور، فإن الأشهر القليلة القادمة تحمل تحديات اقتصادية ومخاطر مالية جسيمة محيقة بجسد الوطن العليل فيكفي أن الاحتياطي من النقد الأجنبي لا يكفي لمواجهة شراء احتياجات مصر من السلع الأساسية لمدة تزيد عن 3 أشهر، وهو ما يهدد بكارثة اجتماعية، فلو لم نتفق على تكوين حكومة كفاءات وطنية تضم أفضل ما في الوطن من عقول بغض النظر عن ميولهم السياسية، فإن شرور الانهيار الاقتصادي ستلحق بالجميع ولن تفرق بين أبناء الوطن الواحد .... أفلا تعقلون.

الخميس، 6 ديسمبر 2012

دستور نصف تشطيب

المصري اليوم  - 6/12/2012

شهد العالم أخطر عملية سطو على الحريات تعرض لها الشعب المصرى بعد ثورة ٢٥ يناير العظيمة. ففى خلال أيام قليلة متعاقبة وثقيلة على شعبنا العظيم، تم إصدار إعلان دستورى- وهو ليس بكذلك- مكبل للحريات يعصف بالسلطة القضائية، ويحصن قرارات رئيس الجمهورية بأثر رجعى ضد أى طعون قضائية، ويغل يد القضاء عن الفصل فى أى قضايا منظورة أمامه تتعلق بقرارات رئيس الجمهورية أياً كانت طبيعة هذه القرارات، فأراد مستشارو السوء بهذا القرار تنصيب رئيس دولة بدرجة ديكتاتور، وبعد ذلك بدأت ماكينات الاغتيال المعنوى ضد قضاة مصر، وعلى وجه الخصوص قضاة المحكمة الدستورية العليا فنشر التيار المتطرف سمومه فى كل مكان- وللأسف- مستخدماً فى ذلك الصحف القومية والإعلام الرسمى .
وأعقب ذلك الإعلان الباطل، وعمليات الاغتيال المعنوى، والحملة المنظمة ضد القضاة، إتيان جريمة لا تغتفر فى حق هذا الشعب من خلال «سلق» دستور مصر ما بعد الثورة بواسطة الجمعية التأسيسية المطعون فى شرعيتها، فصدر فى عجالة دستور «نصف تشطيب» ملىء بالثقوب، وأوجه العوار مخيباً للآمال، موجهاً الضربة القاضية للمحكمة الدستورية العليا، وكأن رئيس الدولة فى خصومة شخصية مع السلطة القضائية .
وكأن الباعث الوحيد لدى أعضاء الجمعية ورئيسها على وصل الليل بالنهار هو إصدار مسودة الدستور المعيب قبل صباح ٢ ديسمبر، الموعد المحدد من قبل المحكمة الدستورية العليا للفصل فى مشروعية الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى بعد أن تأكد لهم خيبة مستشارى الرئيس، وأنهم نصحوه بإصدار إعلان هو والعدم سواء لا يحول دون القضاء ومباشرته اختصاصاته ورقابته القضائية، فأراد واضعو الدستور الاستباق، وفرض سياسة الأمر الواقع بإصدار مسودة الدستور قبل الفصل فى القضية، وقد فاتهم كذلك أن ما بنى على باطل فهو باطل، وأن بطلان التأسيسية يعنى انعدام ما يتلوها من قرارات وآثار قانونية بما فى ذلك الدعوة إلى الاستفتاء، ولإحكام قبضتهم على المحكمة الدستورية، وللحيلولة دون إصدار حكم قضائى توجهت مجموعة من أنصار التيار المتطرف فى جنوح الظلام لمحاصرة مقر المحكمة الدستورية العليا لمنع شيوخ القضاة من أداء عملهم، مرتكبين عملاً من أعمال البلطجة السياسية، تأييداً للرئيس مناجين له بانتظار تعليماته «لتعبئة القضاة فى أشولة!»، وتم ارتكاب هذه الجريمة فى حماية الشرطة، شرطة النظام، فلم يتغير شىء بل يريدون ردة لن يرضى بها الله وشعبه .
وبعيداً عن هذه المأساة الملهاة، فإن لدى أسبابى لرفض هذا الدستور نصف التشطيب .
أرفضه لأنه لم ينبن على التوافق بل على منطق المغالبة، أرفضه لأنه لم يأخذ حقه بعد صياغته فى المناقشة والحوار الوطنى الحقيقى، وليس لجان المناقشة المزعومة، التى لا يوجد بها نقاش، أرفضه لأنه لم يحظر قيام الأحزاب على أساس دينى «م ٦»، أرفض هذا الدستور، لأنه لم يتضمن النص على حد أدنى للدخ، «وليس مجرد حق أدنى للأجر» لمن يعمل ولمن لا يستطيع أن يعمل «م ١٤». أرفض هذا الدستور، لأنه لا يفصل بين الملكية وإدارة المشروعات العامة، ويكرس لمزيد من الانهيار لمنشآت ومرافق الدولة «م ٢٥» أرفض هذا الدستور، لأن ما تضمنه من مقومات اقتصادية جاء ملتبساً يقترب من كونه برنامجاً انتخابياً بلا مضمون أو آلية للتنفيذ «م١٥-١٦» أرفض هذا الدستور، لأنه يقيد إنشاء النقابات المهنية والعمالية المستقلة، ولم يخولها رخصة الإنشاء بالإخطار، وفقاً للمواثيق الدولية الموقعة عليها مصر «م ٥٢»، أرفضه لأنه لم يحظر عمل الأطفال بشكل مطلق، ولم يراع طفولتهم ويحميها بشكل كافٍ «م ٧٠» أرفضه لأنه قيد حرية الصحافة، وأبقى على عقوبة الحبس، وتهديد الصحفيين «م ٤٨» أرفضه لأنه أبقى على مجلس الشورى مجاملة لأعضاء حزبى الحرية والعدالة والنور دون أن تكون له أى صلاحيات تشريعية أو غير تشريعية واضحة، فأرهق ميزانية الدولة المتهالكة بمجلس لا طائل من ورائه «م ١٢٨-١٣١» أرفض دستوراً يطلق صلاحيات رئيس الدولة فى تعيين كل موظفى الدولة، ورؤساء الجهات الرقابية دون رابط، أرفض دستوراً لم يمنع كبار موظفى الدولة من الترشح للمجالس البرلمانية الرقابية، أرفض دستوراً أتى بما لم يأت به دستور فى التاريخ بتحديد عدد أعضاء المحكمة الدستورية العليا، وتخفيض عددهم إلى «١١»، للتخلص ممن يراهم الرئيس عقبة فى طريقه «م ١٧٦» أعترض على دستور يستهدف الحد من الآثار القانونية لحكم الدستورية العليا «م ١٧٨» أعترض على دستور جاء ليجامل أعضاء هيئة قضايا الدولة، فخلط بين دورهم ودور الإدارات القانونية بالحكومة والهيئات العامة، وكأن البيروقراطية فى مصر تحتاج إلى مزيد من التعقيد «م ١٧٩». أعترض على دستور يؤسس لانتخابات تشريعية ورئاسية دون إشراف قضائى «م ٢١٠»، أعترض على دستور يجعل آلية تغييره مماثلة لتعديل القوانين، ويجعله عرضة للتقلب والتغيير بتغير الأغلبية البرلمانية، ويكرس لعدم الاستقرار السياسى «م ٢١٨». أعترض على دستور تتناقض نصوصه مع بعضها البعض، ويدخلنا فى غياهب الخلافات الفقهية والمذاهب الشرعية دون ضابط أو رابط «م ٢٢٠» أعترض على دستور يجيز للقاضى أن يقضى بعقوبات، أو يقرر جرائم بدعوى أن الدستور أجاز تطبيق الأدلة الكلية للشريعة، وقواعدها الأصولية الفقهية مصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل الجماعة «م ٧٦» .
أرفض دستوراً يعطى الحق لبرلمانه فى تطبيق القوانين بأثر رجعى «م٢٢٣»، أرفض دستوراً يضحك على عمال مصر، فيقنعهم بأنه أبقى على حصتهم بـ٥٠٪ فى المجلس لمدة دورة برلمانية واحدة، ويأتى فى عجز المادة لكى يعتبر كل شعب مصر من مهندسين وأطباء وأساتذة جامعة من العمال «٢٣٦»!. أرفض دستوراً جاء ليقر نظاماً انتخابياً أبطلته المحكمة الدستورية العليا لإخلاله بالمساواة، ولا يهدف إلا تحقيق مصلحة فصيل سياسى بعينه «م ٢٢٩» .
أرفض إجراء استفتاء بلا رقابة قضائية، وفى إطار زمنى لا يتجاوز اثنى عشر يوماً، فكيف يتسنى للشعب مناقشته وفهمه فهماً صحيحاً، وكيف يتسنى للمصريين بالخارج التصويت على الدستور خلال تلك الفترة القصيرة؟! أرفض الاستفتاء على دستور لم يضع حداً أدنى للتوافق، ومشكوك أصلاً فى شرعية إجراءاته .
لكل هذه الأسباب أرفض الدستور نصف التشطيب، وأقاطع استفتاء شكلياً يؤدى إلى زيادة حدة الانقسام داخل بلد منقسم أصلاً على نفسه تحول فيه خلاف سياسى إلى صراع عقائدى مصطنع بفعل فاعل .