الخميس، 25 ديسمبر 2014

اقتصاد بطعم السياسة

جريدة الاخبار - 25/12/2014


لقد سبقتنا بنجلاديش والمكسيك والبرازيل وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند والهند في هذا المجال، فالتوسع في منح الائتمان لأصحاب المشروعات الصغيرة ضرورة ملحة



 (1) الإقصاء التمويلي: يعاني قطاع كبير من أصحاب المشروعات الصغيرة من الفقر التمويلي. فغالبية هؤلاء؛ مثل صاحب ورشة النجارة،أو كوافير حريمي في بداية نشاطه،أو صاحب ورشة خراطة،أو محل صغير لإصلاح الثلاجات،أو إصلاح السجاد... كل هؤلاء يعانون من قصور فرصهم للحصول علي تمويل من البنوك أو مؤسسات التمويل لدعم أنشطتهم أو التوسع فيها. كما أن هؤلاء محرومون من فرص الحصول علي قروض شخصية لشراء سيارة جديدة أو شقة؛ رغم قدرتهم علي سداد الأقساط. فالبنوك ومؤسسات التمويل وصناديق التمويل العقارية كلها لا تُقرض ولا تمول إلا أصحاب الدخول الثابتة مثل الموظفين والعاملين برواتب شهرية،أما أصحاب الحرف أو المشروعات الصغيرة ممن ليس لديهم دخل شهري ثابت مصدره محدد فليس لهم الأحقية في الحصول علي تمويل لأنشطتهم ولا لتمويل احتياجاتهم الشخصية. وهنا تبدو ظاهرة «الإقصاء التمويلي» جلية؛ فهناك قطاع كبير من المهنيين والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة -ممن لا يعملون لدي الغير- محرومون من الحصول علي تمويل،علي عكس الموظفين وأصحاب المشروعات الكبري. ولهذه الظاهرة تداعيات اقتصادية واجتماعية سلبية،شديدة الخطورة.. وأتعرض شخصياً للعديد من الحالات،فأتاني شاب منذ أسابيع قام بتأجير محل لبيع الورد ومشهود له بالكفاءة في هذا المجال،ويسعي لتجهيز محله واستخدام بعض المعدات،وأنفق أكثر من مائة وخمسين ألف جنيه،وكان في حاجة لمبلغ لا يزيد علي 30 ألف جنيه لاستكمال التجهيزات وافتتاح المحل،وواجه استحالة الحصول علي تمويل،فبطبيعة الحال ليس لديه دراسة جدوي،وليس لديه دفاتر منتظمة ولا مراقب للحسابات،وليس لديه تاريخ ائتماني،فهذا المبلغ الذي أنفقه هو كل ما يملك هو ووالداه،ولذلك كاد هذا المشروع أن يفشل قبل أن يبدأ لولا تدخل أولاد الحلال.. مثال آخر لصاحب ورشة يعمل منذ أكثر من ثلاثين عاماً في صناعة المشغولات النحاسية،ورشته قيمتها تتجاوز خمسمائة ألف جنيه،أراد شراء شقة سكنية في نفس الشارع الذي توجد فيه الورشة،وقيمتها 300 ألف جنيه،فتصور أنه أخيراً سيحقق آماله بعد ثلاثين عاماً من العمل المجهد والمضني،وذهب إلي كل البنوك العقارية وصناديق التمويل العقاري،إلا أن الأبواب كانت مغلقة في وجهه لأنه ليس صاحب دخل ثابت وليس له مرتب شهري،فالبنك المُقرِض يريد دخلا شهريا محدد المصدر حتي يستطيع الاستقطاع منه مباشرة. ونفس الصعوبات تثور بشأن إصدار بطاقات الائتمان.. والمحصلة واحدة،وهي أن هناك قطاعا كبيرا من المصريين وأسرهم رغم أنهم يعملون ويربحون إلا أنهم محرومون من الحصول علي الائتمان المصرفي،وهو ما يعني أنهم محرومون من فرص النمو ولا يعاملون علي قدم المساواة مع المواطنين الآخرين ممن يعملون برواتب ثابتة.. لقد رصد البنك الدولي هذه الظاهرة في مصر في تقرير نشر منذ ثلاثة أشهر،وأشار التقرير إلي أن استمرار هذه الظاهرة هو صورة من صور انعدام العدالة الاجتماعية وتهميش لفئة من المجتمع المصري من العاملين تتجاوز أكثر من نصف قوة المجتمع العاملة. علي البنك المركزي المصري والحكومة أن تضع برنامجاً واقعياً لتحقيق «الاحتواء التمويلي» Financing Inclusiveness.

لقد سبقتنا بنجلاديش والمكسيك والبرازيل وماليزيا وإندونيسيا وتايلاند والهند في هذا المجال،فالتوسع في منح الائتمان لأصحاب المشروعات الصغيرة ضرورة ملحة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتشجيع الأعمال الحرة والحد من القطاع غير الرسمي.

(2) بسكو مصر للمرة الأخيرة: أخذت عملية الاستحواذ علي شركة بسكو مصر مناحي سياسية،وجذبت اهتماما إعلاميا مبالغا فيه. وبنظرة هادئة للأمر برمته فإنه يمكن أن نخرج بعدد من الدروس المستفادة:
أولاً: مصر علي الرغم من كل ما تعانيه من أزمات لا تزال دولة جاذبة للاستثمار،خاصة في قطاع الصناعات الغذائية. وعلينا ألا نفقد الفرصة تلو الأخري؛ فنحن صرنا ننافس كل دول العالم علي جذب الاستثمار،فلا يجوز لنا أن نُصعّب المسألة علينا بالبيروقراطية وانعدام الرؤي،والصراخ الإعلامي والتحريض ضد الاستثمار الخاص.
ثانياً: الإعلام لا يزال يقفز علي النتائج ويضخم من القضايا،ويعطي بعض القضايا الاقتصادية منحي سياسيا أبعد ما تكون عنه،ويفتح ذراعيه لغير المتخصصين،وذلك دون تمحيص أو تأن أو دراسة،ولذلك؛ فإنه يجب الحرص في اختيار المعدّين لهذه البرامج وتأهيلهم ومدّهم بآلات البحث والدرس. فيجب أن نكون أكثر حرصاً في معالجة قضايا الاستثمار وألا نتعامل معها بشكل سطحي وكأنها أخبار حوادث.
ثالثاً: أسفرت هذه المسألة عن ظهور لوبي جديد للتأثير علي الرأي العام، وخطورة هذا اللوبي أنه يفتقر إلي أية حدود، فيبدو أن البعض في سبيل تحقيق مصالحه المالية لا يعبأ بقواعد المنافسة المشروعة،ولا يعبأ بنشر معلومات مغلوطة، ولا تعنيه مصلحة الوطن في شيء. كل ما يعنيه هو الفوز بصفقة هنا أو صفقة هناك.
إنني أدعو جهاز المنافسة ومنع الاحتكار، وكذا جهاز حماية المستهلك، وهيئة الرقابة المالية، ووزيرة القوي العاملة؛ لدراسة وتمحيص هذه القضية، ففيها دروس كثيرة مستفادة للمستقبل لتجنب التلاعب بالعاملين والمستهلكين والمصلحة الوطنية، واللعب بالوطن من أجل حفنة دولارات. اللينك
استمع الي مقالي عبر منصة اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم. اللينك 

الخميس، 18 ديسمبر 2014

عودة الوعي


جريدة الاخبار - 18/12/2014

إن عودة هؤلاء للعمل البرلماني مرة أخري -وهو أمر وارد في ظل التشرذم الحزبي- انتكاسة جديدة لمصر


بصدور  قانون تقسيم الدوائر تكون الخطوة التشريعية الأخيرة لنظام الانتخابات البرلمانية قد اكتملت. وهو ما يعني أن الانتخابات البرلمانية صارت علي الأبواب، وربما نري مجلس النواب القادم قد اكتمل تشكيله قبل نهاية مارس القادم. ولهذا المجلس دلالات هامة، فاكتمال الانتخابات البرلمانية بسلام –كما يتمني كل مصري مخلص لهذا الوطن- هو شهادة بشأن تعافي الوضع الأمني. وتشكيل البرلمان وممارسته لسلطته التشريعية الكاملة .هو الخطوة الرئيسية الأخيرة لاستكمال مؤسسات الدولة الدستورية، وتفعيل الدستور الجديد، والعديد من المؤسسات والتشريعات اللازمة لإرساء العدالة الاجتماعية.

والبرلمان الجديد سينهي الحالة الانتقالية التي تعيشها مصر منذ أربع سنوات تقريباً، وأصابت مؤسسات الدولة بالشلل، فتكوين البرلمان الجديد هو شرط دستوري لتشكيل حكومة مستقرة تباشر اختصاصاتها الدستورية. ولا شك أن الأمر لا يخلو من الخطورة. فنظام الحكم المصري في ظل الدستور الجديد جاء «برلماسياً» علي حد تعبير الفقيه الدستوري الراحل د. سليمان الطحاوي، فلا هو بنظام رئاسي واضح كما هو في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولا نظام برلماني كما هو الحال في إنجلترا، كما افتقر مقومات النظام شبه الرئاسي كما هو الحال في فرنسا. ومجلس النواب طبقاً للمادة (101) من الدستور هو الذي يتولي سلطة التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة، إلي جانب الرقابة علي أعمال السلطة التنفيذية. وكلها مسئوليات في منتهي الخطورة علي مستقبل مصر.

ومن مهام مجلس النواب القادم طبقاً للمادة (241) إصدار قانون للعدالة الانتقالية يكفل كشف الحقيقة والمحاسبة، واقتراح أطر المصالحة الوطنية، وتعويض الضحايا وفقاً للمعايير الدولية، فالمكاشفة السياسية ومحاربة الفساد صارت تكليف دستوري واضح للبرلمان القادم طبقاً للدستور المصري.

إن مجلس النواب الجديد له الحق كذلك في اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية، والإعلان عن انتخابات رئاسية جديدة طبقاً للمادة (161) للدستور، بعد موافقة ثلثي أعضاء المجلس، ومن الناحية الاقتصادية فإن الموازنة العامة للدولة لا تكون نافذة إلا بعد موافقة المجلس عليها، والتصويت علي الموازنة باباً باباً. ولمجلس النواب الحق في تعديل النفقات الواردة في مشروع الموازنة.

ولمجلس النواب سحب الثقة من الحكومة وطرحها أرضاً بأغلبية أعضائه –أي 50% + 1، وهو ما أكدته المادة (133) من الدستور. وحال إصدار رئيس الجمهورية لأية قوانين في غيبة مجلس النواب، فإن كافة هذه القوانين يجب عرضها والموافقة عليها من المجلس خلال خمسة عشر يوماً من انعقاد المجلس الجديد، فإذا لم تعرض وتناقش أو إذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون دون حاجة لإصدار قرار بذلك.

و يجب ألا ننسي أن الذي يوافق علي تعيين رئيس الحكومة وبرنامجه هو مجلس النواب، فصلاحيات البرلمان القادم في غاية الخطورة، وهي الأهم والأوسع في تاريخ العمل السياسي والدستوري المصري.

لا شك أن أداء البرلمان القادم إما أن يمثل دفعة قوية لمصر في إصلاح المسارات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والفكرية والثقافية، وإما أن يكون نكسة لا يعلم مداها ومخاطرها إلا الله...

أصابني الهم والغم وأنا أتابع خلال اليومين الماضيين علي شاشات التلفزيون بعض الوجوه التي ساهمت في تشويه العمل التشريعي علي مدار العشرين عاماً الماضية، ولعبت دور أساسي في إفساد الحياة السياسية... إن عودة هؤلاء للعمل البرلماني مرة أخري -وهو أمر وارد في ظل التشرذم الحزبي- انتكاسة جديدة لمصر، إن اعتلاء المنبر التشريعي بواسطة من هو غير مؤهل؛ ليضع خطة مصر الاقتصادية والاجتماعية، ولكي يعين حكومة ويقصيها، ويشرع للمستقبل، ويراجع موازنة الدولة ويعد لها، سيكون كارثة علي مستقبل هذا البلد.

هذه دعوة خالصة لأهمية عودة الوعي للناخبين والقوي السياسية... تكاتفوا لاختيار الأفضل؛ فمصر لا تحتمل انتكاسة جديدة. اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم. اللينك 

الخميس، 11 ديسمبر 2014

هجرة العقول من البنوك العامة

 جريدة الاخبار - 11/12/2014

إن المسئول الأول عن هذه الهجرة الجماعية هو وضع سقف نقدي علي المرتبات بالبنوك العامة والبنك المركزي اعتباراً من شهر يوليو الماضي. وهو الذي أدي إلي أن أصبحت مرتبات بعض القيادات التنفيذية أقل من نصف المرتبات منذ عشر سنوات

تواترت الأخبار خلال الأيام الماضية عن بدايات هجرة جماعية من الكفاءات الشابة والقيادات التنفيذية العاملة بالبنك المركزي والبنوك العامة. وطبقاً لما نشر ببعض مواقع الصحف القومية فقد بلغ عدد المهاجرين خلال الشهرين الماضيين إلي البنوك الخاصة أكثر من 164 قيادة تنفيذية –لا شك ستزيد الشهور المقبلة.


ولعل أبرز الاستقالات؛ استقالة نائب محافظ البنك المركزي، ونائب رئيس بنك مصر، ونائب رئيس البنك الأهلي. ويجمع بينهم جميعاً أنه مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والبراعة في أداء أعمالهم، إضافة إلي حسن الخلق والقدرة علي التواصل مع العاملين. كما يجمع بين هؤلاء المستقيلين أنهم جميعاً ينتمون إلي جيل الوسط، فتتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين عاماً،وكلهم ينتمون إلي كتيبة الإنقاذ التي استعان بها محافظ البنك المركزي السابق د/ فاروق العقدة عام 2004 لإصلاح القطاع المصرفي وخاصة البنوك العامة واستقدمهم من البنوك الخاصة في مصر وخارجها.


ولكي نستشعر خطورة الموقف، أذكر حضراتكم بأنه بحلول عام 2003 كان هناك أكثر من عشرين بنكاً مصرياً في حكم البنوك المفلسة، وكان القطاع المصرفي يعاني من تدهور كبير رغم أنه يعد القلب النابض لجسم الاقتصاد.


فقاد الدكتور/ فاروق العقدة عام 2004 حملة إصلاح شاملة للقطاع المصرفي جوهرها جذب أفضل العناصر والكفاءات العاملة بالقطاع المصرفي داخل مصر وخارجها إلي البنوك العامة من خلال إعادة هيكلة الرواتب والمكافآت داخل البنوك العامة وقبل الكثيرون الانضمام إلي كتيبة العمل بأقل من 30% أو40% من نظرائهم في البنوك الخاصة لدعم خطة الإصلاح، ولدوافع وطنية ومهنية.


وكانت النتيجة مذهلة، ففي عام 2009 وفي خضم الأزمة المالية العالمية؛ كان القطاع المصرفي المصري هو الأكثر سلامة ومتانة علي مستوي العالم لم تسبقه سوي سنغافورة. وتحسن الوضع داخل البنوك العامة فوصلت فجوة المخصصات بالبنوك الكبري الثلاث (الأهلي ومصر والقاهرة) إلي صفر بعد أن كانت 53 مليار جنيه في عام 2003. وزادت أرباحهم الحقيقية إلي 8 مليارات في عام 2014 بعد أن كانت 500 مليون جنيه في عام 2003، وتضاعف حجم الودائع بالبنك الأهلي علي سبيل المثال إلي 300% والقروض إلي150% بالمقارنة بما كان عليه الوضع في عام 2003. وارتفعت حقوق الملكية للدولة بهذه البنوك إلي 25 مليار جنيه.
إن المسئول الأول عن هذه الهجرة الجماعية هو وضع سقف نقدي علي المرتبات بالبنوك العامة والبنك المركزي اعتباراً من شهر يوليو الماضي. وهو الذي أدي إلي أن أصبحت مرتبات بعض القيادات التنفيذية أقل من نصف تلك المرتبات التي كانوا يحصلون عليها منذ عشر سنوات عند انضمامهم إلي البنك أول مرة!! كما أن هذا السقف النقدي يعني توقف سقف الطموح، ويعني كذلك انخفاض معدل مرتبات الصف الأول والثاني والثالث من القيادات التنفيذية إلي أكثر من 60% مقارنة بنظرائهم في البنوك الخاصة. كما أن تخفيض المرتبات بأكثر من 50% أو 70% في عدد من الحالات يعني أزمة إجتماعية لكثير من هؤلاء وذويهم، إذ أنهم رتبوا حياتهم علي دخل معين، وفجأة انقلبت حياتهم رأساً علي عقب بخسارة أكثر من نصف دخولهم، زادت التزامات البعض المالية والأقساط الشهرية عن دخولهم، وهو ما يعرض بعضهم للدخول إلي السجن، ومن ثم لم يكن لديهم بديل سوي الرحيل والبحث عن فرص عمل أفضل.


وفي رأيي أنه يجب إعادة النظر في سياسة وضع سقف نقدي داخل البنوك العامة والبنك المركزي، لوقف نزيف الهجرة والانهيار المحتوم لهذه المؤسسات، وضرورة الحفاظ علي النجاحات المؤسسية لهذا القطاع ليكون داعماً للنمو الاقتصادي وليس عبئاً عليه كما كان الحال منذ عشر سنوات.


إن وضع سقف نقدي للمرتبات داخل البنوك العامة -وهي بنوك تجارية في المقام الأول والأخير، وإن كانت مملوكة للدولة- يخالف نص المادة (27) من الدستور المصري والذي قصر الحد الأقصي علي العاملين في «أجهزة الدولة».ولاشك أن البنوك التجارية لا تعد من أجهزة الدولة.


وفي رأيي أن عرض هذه المسألة علي رئيس الجمهورية لم يكن عرضاً أميناً ومنصفاً، فالمنشآت التجارية -ومنها البنوك التجارية العامة-يجب أن تكون عنصراً جاذباً للكفاءات. ولا يتصور منطقاً ولا عقلاً أن يكون السقف النقدي لمرتب رئيس بنك لديه ودائع بأكثر من 400 مليار جنيه ومسئول عن تحقيق أرباح للدولة سنوياً بما لا يقل عن أربعة مليارات جنيه، هو ذات السقف النقدي لمؤسسات لا تزيد ميزانيتها وحجم أعمالها عن 20 مليون جنيه. لست ضد تطبيق الحد الأقصي للأجور ولكن يجب أن يراعي في ذلك مستويات الحد الأدني داخل ذات المؤسسة وطبيعة نشاطها والكفاءات المطلوبة لها وقدر المنافسة المحيطة بهذه المنشأة. ما نطالب به ليس إعادة النظر في مبدأ الحد الأقصي للأجور ولكن إعادة النظر في أسس تطبيقه.


إن رفع السقف النقدي عن البنوك ليس استثناء من تطبيق الحد الأقصي، فيجب أن يظل الحد الأقصي للأجور قائماً في البنوك، ولكن مع إزالة السقف النقدي، وربط الأجور والمرتبات فيها بالأرباح ومدي المساهمة في دعم الاقتصاد القومي. فيظل النص علي ألا يزيد الحد الأقصي للأجور عن 35 ضعفا أو حتي أقل من هذا قائماً، ليس في إعادة النظر في هذه المسألة مظاهر ضعف للدولة أو تراجع، بل دلالة علي عقلانية الدولة ومؤسساتها وموضوعيتها. اللينك

استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم. اللينك 

الخميس، 4 ديسمبر 2014

حصاد الأسبوع .. «سمك لبن تمر هندي»

 جريدة الاخبار - 4/12/2014

إن شركة بسكو مصر تمثل أحد نجاحات تطوير الإدارة وتوسيع قاعدة الملكية وهو ما عاد بالنفع علي العاملين والمساهمين والخزانة العامة. ارحموا مصر يرحمكم الله... ومن لا يعلم فليصمت.

(1)
حكم البراءة:ثورة 25 يناير لم ولن تموت بصدور الحكم القضائي ببراءة حسني مبارك, فحكم البراءة في القضية الجنائية لا يعني ولا ينبغي أن يفسر علي أنه حكم بالبراءة من المسئولية السياسية عن فترة حكمه. ولا ينبغي كذلك القول إن البراءة لأسباب إجرائية دلالة علي أن ثورة 30 يونيو كانت مؤامرة لوأد ثورة 25 يناير, فثورة 30 يونيو شأنها شأن 25 يناير كانت ثورة شعب, وللأسف ركب الثورتين من كانت له مآرب أخري غير مصلحة الوطن, فلا تسمحوا لأي من تيارات الماضي أن تطل علينا مرة أخري بوجهها القبيح. إن المجني عليه الأكبر في رأيي الشخصي –سياسياً- نتاج الحكم القضائي الأخير هو النظام السياسي الحالي الذي يحمّله الجميع ما لا ذنب له فيه. وقد أعلنها الرئيس السيسي تكراراً ومراراً أن النظام السياسي الحالي عقيدته هي التأسيس لدولة العدل ومحاربة الفساد, وأنه لا عودة للوراء, وعلي الرغم من أنني أؤمن بضرورة عدم الانغماس في الصراع مع الماضي إذ أنه صار تاريخاً بكل سلبياته, إلا أن تحقيق الاستقرار السياسي وبناء نظام سياسي متين يستوجب الاستفادة من دروس الماضي, والتصالح مع الحاضر من أجل بناء المستقبل. وهو ما يجعل من تطبيق مفاهيم العدالة الانتقالية ضرورة لبناء مستقبل سليم. وأرجو من الرئيس السيسي ضرورة تشكيل لجنة محايدة لتقصي الحقائق -بما تعنيه الكلمة- لتخرج علي المجتمع المصري بحقائق ما جري خلال الأعوام الماضية وخاصة أسباب الانحدار والمسئولين سياسياً عما جري لمصر والمصريين.


لابد من المحاكمة السياسية والخروج بخطة لبناء المستقبل. وأرجو ألا تختزل قضية الشهداء والفساد في التعويضات لأسر الشهداء, ولابد أن نسير بخطي متسارعة نحو الإصلاح المؤسسي والسياسي, ولا نتردد أو نتذرع بأن الأمن أولاً, فالأمن الحقيقي ثمرة بذور الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, وليس العكس.

(2)
متاعب حرية الرأي:
حينما دعاني الأستاذ/ ياسر رزق للكتابة بشكل أسبوعي بجريدة الأخبار؛ لم أتردد في الإجابة لطلبه. وقد التزمت بمنهج محدد ألا وهو ألّا أعرض لمشكلة أو نقد إلا إذا كان ذلك مصحوباً بحل أو محاولة لإيجاد مخرج للمشكلة المطروحة. ولكن يبدو أن للكتابة متاعبها التي لا تنتهي, فما أن ينشر المقال إلا وأتلقي عتابًا من هنا أو هناك, وربما أسبب حرجًا غير مقصود لزملاء أو مسئولين أكن لهم الاحترام وهو ما يصيبني أحيانًا بالضيق بسبب ألم غير مقصود يصيبه قلمي. ولكنني عاهدت الله وأعاهد قرائي بأنني لن أحيد عن الحق والنقد الموضوعي مهما واجهت, فالكلمة مسئولية أمام الله وأمام الوطن. وما أحوجنا هذه الأيام لكلمة صدق يراد بها الحق. وأرجو مخلصًا من المسئولين ألا يقفوا عند الظاهر, ولا يسعدوا بالنفاق, فصديقك هو من صدقك القول حتي ولو أوجعك.

(3)
صفعة جديدة للاستثمار: طالعت الأسبوع الماضي تعليمات محافظ البنك المركزي والتي يستوجب فيها من البنوك الحصول علي موافقة البنك المركزي المسبقة قبل قبول تلقي الاكتتابات. وهذه التعليمات بالطريقة التي صيغت بها تعني أنه لا يمكن تأسيس أي شركة في مصر مهما كانت ضآلة رأسمالها أو طبيعة نشاطها إلا بعد الحصول علي موافقة البنك المركزي المسبقة, فلا تكفي موافقة هيئة الاستثمار ولا هيئة الرقابة المالية, ولا غيرها.
إن هذا القرار يعني مزيدًا من الموافقات الحكومية وتعاظم تباطؤ تأسيس الشركات وضخ رؤوس الأموال.
أرجو من محافظ البنك المركزي مخلصًا إعادة النظر في هذا القرار, وقصره إن كان ضروريًا علي الاكتتابات العامة أي حالات طرح أسهم للجمهور. فمناخ الاستثمار لا يحتمل أكثر مما هو عليه من إجراءات وبيروقراطية.

(4)
أصحاب المصالح غير المشروعة: شركة بسكو مصر... طريقة تناول بعض التقارير الصحفية لأخبار عروض الشراء بقصد الاستحواذ علي أسهم هذه الشركة أصابني بالهلع والصدمة, فالجميع يتكلم عن خصخصة الشركة, وبيع الحكومة للشركة، فكل التقارير افترضت أن الحكومة لا تزال تملك هذه الشركة وتسيطر علي إدارتها, والحقيقة أن أغلبية رأسمال هذه الشركة يا سادة مملوكة للقطاع الخاص والمساهمين بالبورصة منذ عشر سنوات!! إن جميع التقارير تتحدث عن أنه سيتم طرد العاملين بالشركة. هذه الشركة يا سادة كان العاملون بها لا يزيد عددهم منذ عشر سنوات علي 1200 عامل في حين زاد عدد العاملين تحت مساهمة القطاع الخاص إلي4000 عامل. إن عمليات الاستحواذ والتنافس بين شركات عالمية ومؤسسات استثمارية إقليمية ظاهرة صحية ودلالة علي تعافي الاقتصاد.

(5)
الإصلاح ممكن... ولكن: أعترف أن الأسابيع القليلة الماضية أفقدتني قدرًا من تفاؤلي, وإن لم تنجح الأحداث المتلاحقة والسلبيات أن تفقدني الأمل والعزيمة, فلازلت علي قناعة بقدرتنا علي الإصلاح والتقدم إلي الأمام, ولكن هل يمكن أن ننجح باتباع ذات طريقة التفكير القديمة, وإن تغير الأشخاص؟ وهل نستطيع أن نحقق قفزات من خلال الاعتماد علي ذات المؤسسات بكل ما أصابها من جمود وعفن؟... أشك. ومع ذلك لازلت أحتفظ بقدر من الأمل وقليل من التفاؤل اللينك

استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك

الخميس، 27 نوفمبر 2014

فيه حاجة غلط (2)

جريدة الاخبار - 27/11/2014

وأعود لأكرر لو لم نبدأ عملية إصلاح مؤسسي حقيقية داخل الجهاز الحكومي وتعديل نصوص القانون الجنائي المصري فستذهب كل جهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي هباء

نواصل في هذا المقال مناقشة بعض التجارب الواقعية التي يستفاد منها ضرورة الإصلاح المؤسسي وعدم إمكانية تسيير دولاب العمل في الدولة بالشكل الذي تسير عليه الآن.

أثناء التفاوض بين أحد المستثمرين وإحدي الهيئات تم الاتفاق علي أن يخصم من المبالغ المستحقة علي المستثمر قيمة الأراضي التي تم استقطاعها للمنفعة العامة حيث استقطعت الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة حوالي 7000 م2 من الأرض لإجراء توسعات بالطرق المحيطة بالقاهرة الجديدة, وتم تحرير محضر باستلام الأرض وبرفع مساحتها وقع عليه ممثل الشركة وضباط القوات المسلحة, ومر الأمر بهدوء شديد, وتم بالفعل إقامة الطريق. وأثناء التفاوض مع الهيئة المعنية فوجئ المستثمر بأن الجهة المعنية وافقت علي خصم قيمة 2500 م2فقط من الأرض المستقطعة وليس 7000 م2حسبما جاء في محضر القوات المسلحة وبالاستفسار قالوا إن هناك خطابا صدر من مهندسة بالجهاز المختص, فكانت إجابة المستثمر: العبرة بالواقع وما تم استقطاعه وليس بما جاء في خطاب المهندسة، فكانت إجابة رؤسائها «لا نستطيع», فلو قمنا بالموافقة علي المحضر الموقع من الإدارة الهندسية بالقوات المسلحة, وتجاهلنا خطاب المهندسة بالجهاز سنتهم بإهدار المال العام, فقلنا لهم ولكن هذا الخطاب خاطئ فكانت الإجابة «ولو» لا نستطيع, فمجرد صدور خطاب مهما كان خطأ منافياً للواقع, الجميع أصبح أسير هذا الخطاب وتعامل معه الجميع علي أنه عنوان الحقيقة علي الرغم من علم الجميع بخطأ ما فيه من معلومات وما ترتب عليه من ضياع خمسة ملايين جنيه علي المستثمر دون خطأ أو جرم اقترفه. وبعبارة أخري أصبح أي موظف في الجهاز الحكومي قادرا علي تيسيره علي النحو الذي يراه وقادرا علي شل كل رؤسائه؛ لأنهم إذا خالفوا ما فيه سيعتبرون مدانين إلي أن تثبت براءتهم, ولم تنته المأساة عند هذا الحد فكانت حجة الجهاز المعني أن الطريق الذي أقامته القوات المسلحة 2500 م2 أما باقي المساحة فتم إغلاقها واستخدمت كجيب للطريق, وليس طريقاً. ومحاولة للخروج من المأزق طلب المستثمر أن ترد إليه المساحة الزائدة علي 2500 م2 فرفض الجهاز بحجة أن هذه المساحة قد تستخدم في المستقبل لتوسعة الطريق!! فالخلاصة أنهم رفضوا خصم قيمة المساحة المستقطعة بالكامل, ورفضوا رد الأرض غير المستخدمة في الطريق, بل زاد الطين بلة, بأن قالوا بأنه لو أصريت - أي المستثمر- علي استرداد المساحة المستقطعة فسنعيد احتساب المساحة وهو ما قد يترتب عليه التزامك بسداد مبالغ إضافية !!! أي تم استقطاع 7000 م2مربع من المستثمر, وصار مهدداً بسداد مبالغ إضافية نتيجة الاستقطاع من أرضه !!! كل هذا تحت سمع وبصر الرؤساء بالهيئة اللذين اكتفوا معنا «بالحسبنة» وهز الرءوس لأنهم لو تدخلوا فإنهم يخافون من اتهامهم بالفساد ومحاباة المستثمرين!! وقبل الجميع بهذا الوضع الشاذ حتي يتم الانتهاء من الموضوع.

وفي ظل التعامل مع ذات الهيئة, طالبت الهيئة برسوم لتعديل مخططات المشروع العقاري, فأفاد المستثمر بأن الرسوم سبق سدادها منذ أربع سنوات إلا أن الجهة الإدارية تعللت بأنه طالما لم يصدر القرار الوزاري بتعديل المخطط فإن المستثمر يلتزم بسداد الرسوم الجديدة حتي ولو كلفه ذلك ملايين الجنيهات دون خطأ منه وحتي ولو كان التأخير راجعا لخطأ من الإدارة, وعلي الرغم من اقتناع الرؤساء التنفيذيين بعدالة موقف المستثمر إلا أن الرد كان أنه سبق للهيئة أن طالبت مستثمرين آخرين بالفروق المالية, وأنه إذا لم تفعل ذلك مع هذا المستثمر ستلتزم برد ما سبق أن حصلته من الآخرين, وأن ذلك قد يعرض العاملين بالهيئة للمسئولية, فالأسلم أن يستمر الوضع علي ما هو عليه حتي ولو كان خاطئاً حتي لا يتهم أحد بإهدار المال العام.... وهكذا لا تنتهي الأمثلة. والدروس المستفادة من هذه التجربة عديدة منها الحاجة العاجلة إلي عملية إحلال وتجديد لكثير من القيادات التنفيذية في المرافق العامة والهيئات الحكومية حيث أصابهم الجمود والخوف من المساءلة نتيجة ما تعرضوا له خلال الأعوام الماضية, ولم يعودوا قادرين علي اتخاذ قرارات حاسمة خوفاً من المسئولية, كما أن الكثير من الصف الثاني من القيادات الحكومية لم يعد مؤيداً أو مقتنعاً بجدوي الإصلاح أو التغيير, وهو ما يجعلهم حائط صد ضد محاولات الإصلاح, كما أنه لابد من تجديد الدماء والأفكار بدخول قيادات جديدة ليست مكبلة بأعباء الماضي, وقادرة علي المواجهة واقتحام الصعاب والقيادة ولابد من إعادة صياغة دور الجهات الرقابية, وضمان عدم تداخل دورها الرقابي مع العمل التنفيذي. وأعود لأكرر لو لم نبدأ عملية إصلاح مؤسسي حقيقية داخل الجهاز الحكومي وتعديل نصوص القانون الجنائي المصري المستمدة من قانون «جوزيف تيتو» من عهد يوغسلافيا الشيوعية فستذهب كل جهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي هباءً.‏ اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك

الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

Suez Canal axis is a national project

Developing Suez Canal axis is a national project that attracts the largest public and private investments in Egypt. And because of importance of this ongoing project, all foreign and local media are highly interested to know the details. About the investment law for the whole canal region that will be completed within a month and the special authority that will be formed to facilitate the investment coming to canal region, I spoke to Daily News publication and the details of the interview below…Link

الخميس، 20 نوفمبر 2014

فيه حاجة غلط

جريدة الاخبار - 20/11/2014

أرجو أن يستدعي رئيس الجمهورية - لمدة ساعتين فقط - رئيس الوزراء وكافة الجهات المعنية بالتشريع في المرحلة الحالية، ويتم إعداد ورقة واضحة باختصاصات كل جهة، ومسار مشروع القانون ، أي قانون ، أو قرار جمهوري بكافة مراحله.

تعرضت هذا الأسبوع لعدد من المواقف، أبانت عن سبب تعطل الماكينة الحكومية رغم المجهودات الجبارة التي يبذلها رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، وعدد من أعضاء حكومته. وسوف أضرب بعض الأمثلة التي تحتاج إلي أكثر من مقال.

وإليكم المثال الأول، صدر الأسبوع الماضي قرار جمهوري بقانون بإنشاء «صندوق تحيا مصر». ونصت المادة (5) منه علي أن تؤول إلي «صندوق تحيا مصر» جميع أموال صندوق (306306). ونص في المادة (10) منه علي إلغاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1118 لسنة 2013 بشأن صندوق دعم مصر.


وبحكم منصبي كنائب لرئيس مجلس أمناء صندوق (306306) بدأت مع مدير الصندوق في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لتنفيذ القانون. وظهرت المشكلة في أن القانون المذكور اكتفي بمصادرة أموال صندوق (306306) ونقلها إلي «صندوق تحيا مصر»، ولم يتناول مصير الالتزامات القائمة علي صندوق (306306)، والمشروعات التي بدأها الخاصة بعزبة العسال والـ10 قري بتكلفة تزيد علي 180 مليون جنيه، ومشروعات كلها تمت بناءً علي طلب الحكومة وتحت إشراف رئيس الوزراء شخصياً، وكثير من القري بطنها مفتوح حيث تجري عملية إنشاء محطات المياه والصرف الصحي وهدم البيوت وإعادة بنائها وإقامة المدارس علي قدم وساق. كما أن قانون إنشاء «صندوق تحيا مصر» ألغي قرار رئيس مجلس الوزراء الخاص بـ«صندوق دعم مصر» في حين أن الصندوق أنشئ كمؤسسة طبقاً لقانون التضامن الاجتماعي، وليس بمقتضي قرار رئيس الوزراء الملغي، وطبقاً لقانون التضامن فلا يجوز تصفية المؤسسة إلا بناءً علي قرار من الجمعية العمومية للمؤسسة، وحال تصفيتها تؤول أمواله لوزارة التضامن الاجتماعي، وكان من الواضح أن الجهة التي صاغت القانون وأوصت به لم يكن لديها أية دراية عن أبعاد الموضوع.


ماذا نفعل؟ هل نتوقف عن مباشرة المشروعات القائمة؟ ونتوقف عن الصرف؟ هل نلغي جميع التعاقدات؟ كيف يتم نقل الأموال؟ ماذا سنفعل في العاملين والأسر المقيمة في خيام لحين تنفيذ المشروع؟ ألم يكن من الأسلم أن ينص القانون علي دمج الصندوقين وأيلولة جميع حقوق والتزامات «صندوق دعم مصر» إلي «صندوق تحيا مصر».


وفي ظل هذه الحيرة اتصلت بالأستاذة غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، ففاجأتني بأنه لم يتم استشارتها في إصدار هذا القانون. فاتصلت بالمستشار القانوني لرئاسة الجمهورية فأفادني بأنه لم يطلع علي القانون قبل إصداره. فاتصلت بمستشار وزير الاستثمار؛ فأفاد بأن القانون في صورته الأخيرة لم يأخذ بأي من ملاحظات وزارة الاستثمار. فاتصلت بأحد الزملاء المستشارين بمجلس الدولة -إدارة التشريع، حيث يلزم إحالة مشروعات القوانين إليهم لمراجعتها قبل إصدارها، إلا أنه أفاد بأن هذا القانون لم يمر عليهم. فاتصلت بمكتب رئيس مجلس الوزراء، وأفادوني بأن قانون إنشاء «صندوق تحيا مصر» أعدته إدارة التشريع بوزارة العدل، وأُرسل مباشرة إلي رئاسة الجمهورية لإصداره.

ما حدث يؤكد ان هناك أزمة حقيقية في تنسيق دولاب العمل بين الوزارات المختلفة، وأن هناك تعددا في المسئوليات، وعدم وضوح في الاختصاصات. ففي مجال إعداد القوانين ومراجعتها هناك إدارة التشريع بوزارة العدل، ووزارة العدل الانتقالية، ومستشار رئيس مجلس الوزراء، واللجنة التشريعية، وإدارة التشريع بمجلس الدولة، وهناك مشروع «إرادة» بوزارة التجارة والصناعة، وهناك عدة وزارات متداخلة، والنهاية بعد كل هذا أن تصدر قوانين باسم رئيس الجمهورية، لم تصدر بشكل حِرَفي سليم، وبدون مراجعة من الوزارات المختصة وعلي نحو يؤثر علي هيبة الدولة وجهود الإصلاح التي يبذلها رئيس الجمهورية.

أرجو أن يستدعي رئيس الجمهورية -لمدة ساعتين فقط -رئيس الوزراء وكل الجهات المعنية بالتشريع في المرحلة الحالية، ويتم إعداد ورقة واضحة باختصاصات كل جهة، ومسار مشروع القانون –أي قانون –أو قرار جمهوري بجميع مراحله، منذ لحظة التفكير فيه ثم إعداده، ثم مراجعته حتي إصداره.

وهذه بعض المحددات التي يجب اتباعها؛1: يجب أن يكون للحكومة أجندة تشريعية معتمدة من مجلس الوزراء، وحال وجود حاجة إلي تشريع عاجل غير مطروح بالأجندة التشريعية يجب حصول موافقة مجلس الوزراء عليه من حيث المبدأ. 2: يجب تحديد اختصاصات كل جهة معنية بالتشريعات التي تدخل في اختصاصها، ويجب حصرها في ثلاث جهات فقط: إدارة التشريع بوزارة العدل، ووزارة العدل الانتقالية، والشئون القانونية، واللجنة التشريعية المنشأة بقرار جمهوري لحين انتهاء مهمتها، وتكون الإحالة من الوزارة المعنية، وفي إطار الخطة التشريعية. ويُخطر رئيس الوزراء وجميع الوزارات المعنية بأن المشروع المعني قد تمت إحالته. 3: بعد الانتهاء من إعداد المشروع في صياغته النهائية وبمراجعة جميع الجهات المعنية، تتم إحالته إلي مجلس الدولة للمراجعة النهائية من حيث ضبط الصياغة والتوافق مع الدستور. 4: إحالة المشروع إلي مجلس الوزراء لاعتماده وإحالته لرئيس الجمهورية مرفقاً به مذكرة إيضاحية تفصيلية، وبناءً علي عرض المستشار القانوني لرئيس الجمهورية. اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك

الخميس، 13 نوفمبر 2014

مصري مديراً لليونسكو

جريدة الاخبار - 13/11/2014

إن الحصول علي منصب وزاري أو الانتماء إلي وزارة الخارجية ليس مؤهلاً كافياً للتعيين في المناصب الدولية.

اليونسكو واحدة من أكثر منظمات الأمم المتحدة تأثيراً في مجال التعليم والثقافة في دول العالم. ولعبت ولا تزال دوراً مهما في الحفاظ علي التراث التاريخي للحضارة الإنسانية. ومنصب مدير اليونسكو من المناصب المهمة والمؤثرة، وسيكون للدول العربية دور مهم في اختيار مدير المنظمة الجديد عام 2016، ولمصر حظوظ مرتفعة في أن يكون مدير المنظمة القادم أحد أبنائها إذا دققنا في الاختيار؛ فإذا لم تحسن الدول العربية ومصر الاختيار ففي الغالب سيذهب هذا المنصب إلي مرشح من أمريكا اللاتينية. وعام 2016 ليس بعيداً بالنسبة للانتخابات في المنظمات الدولية، فالتحضير لهذه الانتخابات تقتضي ترتيبات وتحضيرات طويلة الأجل، فيجب أن تستقر مصر والدول العربية علي مرشحها من الآن.

وفي رأيي أن لمصر فرصة ذهبية، ولها ممثل فرصه مرتفعة. فالسفير/ محمد سامح عمرو أستاذ القانون الدولي العام بجامعة القاهرة، وسفير مصر الحالي باليونسكو، يحظي باحترام مندوبي منظمة اليونسكو، وهو أول مصري في تاريخ المنظمة يتم انتخابه وبأغلبية أصوات الدول الأعضاء رئيساً للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو. ويبلغ محمد سامح من العمر (49) عاماً.

واسمه ينتشر كمرشح قوي للدول العربية، إلا أنه يتردد أن لوزارة الخارجية المصرية رأيا مختلفا، حيث تري أن محمد سامح ربما لا يكون الاختيار الأفضل لأنه Junior، أي لا يزال صغيراً -من وجهة نظر الخارجية المصرية- علي المنصب، سواء من الناحية العمرية !! أو الوظيفية !! ووفقاً لما يروج داخل الأروقة فإن الخارجية المصرية تري أن الأجدر بالمنصب يجب أن يكون رئيس وزراء أو وزيرا سابقا حتي تكون فرص مصر أعلي !! ولم أفاجأ بهذا الموقف إذ أنه يعكس عرفاً سائداً داخل العديد من المؤسسات الحكومية ووزارة الخارجية المصرية، وهو ذات الموقف الذي اتخذته الأخيرة عند اختيار مرشح مصر في منظمة اليونسكو عام 2009. وعند اختيار مدير وكالة الطاقة الذرية فاختارت السفير/ محمد شاكر ضد د/ محمد فتحي البرادعي.


ولا شك أن الخارجية المصرية كثيراً ما تتحيز لأبنائها السفراء والوزراء علي حساب مرشحين لا ينتمون إلي هذه المؤسسة، وكأنهم غير مصريين. إن هذا النهج والعرف يحتاج إلي مراجعة دقيقة، فلا أعتقد أن سفير مصر في اليونسكو، والذي سبق أن عمل أيضاً ملحقا ثقافيا باليونسكو، ورئيساً للمجلس التنفيذي باليونسكو، وخبيراً القانون الدولي العام، والحاصل علي الدكتوراه من كلية لندن للأعمال London School of Business -وهي من أهم الجامعات البريطانية علي الإطلاق- غير مؤهل للترشح، ولا يزال صغيراً علي المنصب !!!

أريد أن أذكر وزارة الخارجية المصرية، أن رئيس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير -ومقره لندن- إنجليزي الجنسية من أصل هندي، ويبلغ (45) عاماً، وكان يشغل منصب وكيل وزارة العدل البريطانية. وقد انتخبته مصر، وهي عضو مؤسس بالبنك، ولم تعترض عليه وزارة الخارجية المصرية لأنه صغير في السن، أو أنه لم يسبق له الحصول علي منصب وزاري. فهل المناصب الدولية حلال علي غيرنا وحرام علي المصريين؟!
إن موقف الخارجية المصرية يحتاج إلي مراجعة حيال نظرتها إلي جيل الوسط، إن وزير التعليم الفرنسي يبلغ من العمر (41) عاماً، ووزيرة التعليم السويدي (28) عاماً. فاختيار مرشح في بداية الخمسينيات من عمره ليس عيباً بل مزية لبلاده... 
إن الحصول علي منصب وزاري أو الانتماء إلي وزارة الخارجية ليس مؤهلاً كافياً للتعيين في المناصب الدولية.

مرة أخري نداء إلي الحكومة المصرية: لا تقتلوا الكفاءات وتضروا بالمصلحة القومية للوطن، لا لشيء سوي اتباع عرف وعادات بيروقراطية عقيمة تتعارض مع المنطق والعقل. اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك

الخميس، 6 نوفمبر 2014

قراءة في تقرير البنك الدولي عن الاستثمار في مصر




جريدىة الاخبار - 6/11/2014

جميع دول العالم تتنافس بشراسة علي جذب الاستثمار .. لا فارق بين دولة غنية وأخري فقيرة.. ولا دولة أفريقية ولا عربية

يصدر البنك الدولي منذ اثني عشر عاماً تقريراً سنوياً عن مناخ الاستثمار في كافة دول العالم. ومن بين المؤشرات التي يقاس بها مناخ الاستثمار سرعة وسهولة الإجراءات الخاصة بإنشاء شركة جديدة، وإجراءات تراخيص بناء المشروعات، والحصول علي الكهرباء اللازمة لإقامة المشروع، وإجراءات تسجيل الملكية للمشروع، وتنظيم سوق العمل، والحصول علي تمويل للمشروعات الجديدة وتوسعاتها، ومدي كفاية التشريعات السارية لحماية حقوق الأقلية من المستثمرين في المشروعات المختلفة. كما يتضمن التقرير معايير كفاءة نظم سداد الضرائب من قبل المستثمرين، وإجراءات التجارة الخارجية من وإلي مصر. ويقيس التقرير أيضاً مدي احترام الدولة لتنفيذ العقود، ومدي كفاءة نظم الإفلاس والتخارج من المشروعات المتعثرة.

وتقرير البنك الدولي عن عام 2015، صدر منذ أربعة أيام، يقارن بين 189 دولة في العالم تتنافس علي جذب الاستثمارات، لا فارق بين دولة غنية وفقيرة، ولا دولة أفريقية أو أوروبية، ولا فارق بين دول الخليج وأفقر دولة عربية، فالجميع بلا استثناء يتنافس علي جذب الاستثمار وتنميته من خلال توفير الإطار التشريعي والمؤسسي اللازم. فالمنافسة علي جذب الاستثمار شرسة لأنها تعني النمو والتنمية والتشغيل والاستقرار السياسي والاجتماعي. ولهذا التقرير السنوي أهمية كبيرة في التسويق والترويج للاستثمار في الدول المعنية.
وقد جاء ترتيب مصر في هذا التقرير رقم (112) من بين 189 دولة علي مستوي العالم.

ومستوي الدول العربية عموماً متدن في مناخ الاستثمار بين دول العالم، فباستثناء الإمارات العربية المتحدة (ترتيبها 22 علي مستوي العالم)، فإن المتوسط العام لأداء الدول العربية يحظي بالمرتبة (106)، وهو ما يعني أن ترتيب مصر يأتي في درجة أقل من المتوسط العام للدول العربية مجتمعة!! وإذا قارنّا مصر بتركيا، فإنه يفصلنا عن الأخيرة حوالي (57) دولة في الترتيب العام، إذ تحظي تركيا بالمرتبة (55) في جاذبية مناخ الاستثمار في العالم. وعلي الحكومة أن تضع المعايير الواردة بهذا التقرير نصب أعينها، وأن تعمل علي تحسين مؤشرات أربع خلال الثلاثة أشهر القادمة، فتقرير 2016 يتم الانتهاء من إعداده بحلول النصف الأول من عام 2015. هذه المؤشرات الأربع: أولها»إجراءات تراخيص بناء المشروعات» حيث بلغ ترتيب مصر (142)، وبلغ عدد الإجراءات أكثر من 20 إجراء وبمتوسط زمني قدره (180) يوما. وهو ما يعني إهدار وقت ومال، فلا يعقل أن يستغرق الحصول علي الترخيص كل هذه المدة، ناهيك عن بناء المبني نفسه وتوصيل المرافق له. فعلي الحكومة من خلال خطة واضحة خفض عدد الإجراءات إلي عشرة، والعمل علي خفض متوسط المدة إلي (90) يوماً علي الأكثر، فمتوسط مدة الحصول علي إجراءات تراخيص البناء في دولة كالأردن لا يتجاوز (63) يوماً.
أما المؤشر الثاني فهو يخص «حماية حقوق الأقلية من المساهمين». وأري شخصياً أن التقرير تضمن معلومات قانونية خاطئة عن النظام القانوني المصري أدت إلي وضع مصر في الترتيب (135) علي مستوي العالم. وأدعو الوزير أشرف سالمان إلي تشكيل فريق عمل مصغر لمراجعة هذه الأخطاء وتصويبها ومخاطبة فريق إعداد التقرير بشأنها، فمصر خاصة بالنسبة للشركات المقيدة بالبورصة والشركات ذات الاكتتاب العام قد قطعت شوطاً كبيراً في حماية حقوق أقلية المساهمين، وقواعد الإفصاح. وأري أن هناك فرصة لإضافة مواد جديدة بشأن حوكمة الشركات في قانون الشركات.  وفي ظل التعديلات الضريبية الأخيرة في مصر، فقد انخفض الترتيب العام لمصر إلي رقم (149)!! والمسألة هنا لا تتعلق بأسعار الضرائب، بل بسوء حال «النظام الضريبي» ككل وعدم وضوح السياسات الضريبية، وتردي نظم الفحص الضريبي، ولا يقيس المؤشر هنا ضرائب الشركات بل يتعدي ذلك إلي نظم ضرائب المبيعات وضرائب المرتبات والتأمينات الاجتماعية. هذا الملف صعب ويقتضي الاهتمام من وزير المالية، والتعاون مع نظرائه من وزراء المجموعة الاقتصادية.  وأما الطامة الكبري فتتعلق بـ»إجراءات التقاضي وتنفيذ الأحكام القضائية، وإنفاذ العقود»، فمصر جاء ترتيبها في هذا المجال رقم (152) علي مستوي العالم، في حين تقع تركيا في المرتبة (38). وللأسف فإن إنشاء المحاكم الاقتصادية لم يحل الأزمة فأصاب المحاكم الاقتصادية ما أصاب المحاكم العادية من مرض عضال. وأدعو السيد وزير العدل وأعضاء لجنة الإصلاح التشريعي لإعادة النظر في النظام الإجرائي المتبع أمام المحاكم الاقتصادية، وإلغاء بعض الخطوات المعطلة فيها، خاصة نظام تحضير الدعاوي العقيم.
إذا نجحت الحكومة المصرية خلال الأشهر الثلاث القادمة في اتخاذ خطوات إصلاحية حقيقية تتعلق بالمؤشرات الأربع المذكورة، فلا شك أن مصر ستكون قادرة علي أن تقفز خطوات هامة نحو تحسين مناخ الاستثمار، وتحقيق طفرة اقتصادية يستحقها هذا الشعب. اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك

الخميس، 30 أكتوبر 2014

النمو الاقتصادي وحده لا يكفي



جريدة الاخبار - 30/10/2014

وعلي الجميع أن يعي أنه ليس هناك تعارض بين تشجيع الاستثمار في المشروعات الصناعية الكبري، وجذب الشركات العالمية، ودعم المشروعات الصغيرة وتشجيع ريادة الأعمال، فالأولي ستسرع بخطوات النمو الاقتصادي


التقيت في صيف 2013 بالسيد/ جيم كليفتون الرئيس التنفيذي لمعهد «جالوب» الأمريكي، والمعهد يعد من أكبر مؤسسات العالم في دراسات استطلاعات الرأي العام، وإعداد البحوث اللازمة لخطط الإصلاح الاستراتيجي والمؤسسي للشركات الكبري والحكومات المختلفة.
وخلال هذا اللقاء أطلعني السيد/ جيم كليفتون علي دراسة أعدها معهد جالوب، عن العلاقة بين معدل رضاء الرأي العام في مصر عن أحوالهم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومعدل النمو الاقتصادي في مصر، وذلك عن الفترة من عام (2005) إلي عام (2010). وقد انتهت الدراسة إلي نتيجة صادمة أوضحت أنه خلال فترة الدراسة، كان معدل النمو الاقتصادي في مصر وأداء الاقتصاد الكلي في ارتفاع مستمر، في حين أن معدل رضاء الرأي العام وشعوره بالآثار الإيجابية في انخفاض مستمر حتي وصل السخط طبقاً لقياسات الرأي العام إلي أعلي مستوياته بنهاية عام 2010.

وبعبارة أخري، فإن الدراسة أبانت عن علاقة عكسية في مصر خلال الأعوام من 2005 إلي 2010 بين ارتفاع معدل النمو الاقتصادي ورضا الشعب عن وضعهم وأداء الحكومة، فكلما زاد النمو الاقتصادي كلما انخفضت معدلات الرضا!!

ولهذه الظاهرة أسبابها؛ فلا شك أنه كانت هناك طفرة في نمو الاقتصاد المصري اعتباراً من عام 2004، وأن متوسط معدل النمو بلغ 7% سنوياً، وأن تدفقات الاستثمار الأجنبي بلغت أعلي معدلاتها في عام 2006، وأن التشغيل بلغ حوالي 600 ألف فرصة عمل سنوياً. ومع ذلك لم يشعر 80% علي الأقل من المصريين بأية آثار إيجابية لهذا النمو الاقتصادي، رغم أنه كان نمواً حقيقياً. والمعضلة، أن هذا النمو لم يجلب معه تنمية شاملة، فالآثار الإيجابية للنمو لم يستفد منها غالبية المصريين، فظلت الخدمات الصحية والتعليمية والنقل العام دون تحسن ملحوظ، ولم يتحسن الوضع المالي للعاملين في الدولة وصغار المزارعين، ودفنوا تحت وطأة التضخم، وعلي الرغم من ضخ استثمارات عامة غير مسبوقة في مجال الصرف الصحي ومياه الشرب؛ إلا أن ذلك لم يكن كافياً، وظل الصعيد يعاني -ولا يزال- من وطأة الفقر المدقع، وزادت العشوائيات، وتدهور حال الجهاز الحكومي رغم محاولات البعض للإصلاح، فالفئات التي استفادت من النمو كانت محدودة العدد نسبياً، وتحققت طفرات في الثروات لأقلية نتيجة ارتفاع أسعار الأراضي أو مكاسب البورصة، ولاشك أنها لم تنعكس علي الغالبية، وزاد الطين بلة غياب الشفافية وانعدام تكافؤ الفرص.

ولذلك كله وعلي الرغم من النمو الاقتصادي نتيجة اتباع سياسات إصلاح اقتصادي خلال الفترة من 2004 إلي 2007، فإن انعدام الرضاء والإحساس بغياب العدالة قد بلغ ذروته بنهاية عام 2010. وعلينا لا شك أن نستفيد جيداً من هذا الدرس، فتحقق الاستقرار السياسي وطموحات الشعب المصري لن يتحقق إلا بسياسات إصلاح اقتصادية تستهدف التنمية وليس النمو الاقتصادي وحده، وهذا بالضبط ما حدث في الهند وماليزيا. وعلي الجميع أن يعي أنه ليس هناك تعارض بين تشجيع الاستثمار في المشروعات الصناعية الكبري، وجذب الشركات العالمية، ودعم المشروعات الصغيرة وتشجيع ريادة الأعمال، فالأولي ستسرع بخطوات النمو الاقتصادي، والثانية ستحقق تنمية لأبناء الوطن واستقرار في الداخل وتستهدف فئة عريضة من أبناء الوطن. نحن لم نعد نملك رفاهية خلق مناخ غير جاذب للاستثمار للشركات العالمية، ولا نملك أن نتجاهل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر؛ فهي الآلية الرئيسية لتحقيق التنمية، واستهداف محاربة الفقر.

وعلي الحكومة أن تصدر علي الفور حزمة من الإجراءات والتشريعات المتزامنة خلال الستين يوماً القادمة تستهدف دعم الاستثمار والمشروعات الصغيرة وتحقيق العدالة الاجتماعية في آن واحد، وتشمل هذه الحزمة التشريعية تعديل قانون الاستثمار للقضاء علي البيروقراطية، وقانون تمويل المشروعات متناهية الصغر، وقانون البنك الزراعي ودعم رأسماله لحماية حقوق المزارعين، وقانون تنمية منطقة قناة السويس، ودمج القطاع غير الرسمي في القطاع الإقتصادي. وطبعاً فإن الإصلاح لا يتحقق بتعديل القوانين، فلأهم والأصعب هو تطوير المؤسسات والقائمين عليها. اللينك
استمع الي مقالي عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم اللينك