الخميس، 31 ديسمبر 2015

أساتذتي الكرام : كل عام وأنتم بخير

جريدة الاخبار - 31/12/2015


انتفض من مكتبه وقد تأذي لسماع أحد العاملين بالكلية يتحدث إلي أحد المعيدين بطريقة رآها د.سمير غير لائقة، وصاح صيحته الشهيرة التي لا تزال تقرع آذاني - وكان عمري وقتها 21 عاماً: «إن كرامة المعيد من كرامة العميد»

ونحن علي مشارف عام جديد، مررت بشريط الذكريات، وبدايات عملي المهني والأكاديمي منذ ثلاثين عامأ تقريباً، وتذكرت أساتذتي أصحاب الفضل عليّ بعد الله سبحانه وتعالي، وكان لهم بصمات إيجابية علي حياتي.

كان أستاذي الأول هو والدي رحمه الله، والذي فارق دنيانا وكنت لا أزال في السنة الأولي من دراستي بكلية الحقوق، وترك لي بخط يده بعض النصائح لدراستي قبل وفاته بأيام قليلة، فمعه بدأ عشقي المبكر لمهنة والدي «المحاماة»، وكانت متعتي في الإجازة الصيفية وأنا لا أزال في العاشرة من عمري أن أصحبه في الصباح إلي المحكمة وفي المساء إلي مكتبه الخاص، ولا أزال أتذكر أسماء العديد من زملائه في المهنة من الرعيل الأول أمثال الدكتور علي الرجال، والأستاذ شوكت التوني.

وبعد وفاة والدي زاد تعلقي بالقانون علي يد المستشار عز الدين الحسيني، وكان يعاملني كابن له، وكان نائباً لرئيس محكمة النقض، وكان زملكاوياً حتي النخاع وملازماً لحسن حلمي (زامورا) وصديقاً لأبو رجيلة رئيس نادي الزمالك السابقين، وكان يتابع معي كافة أموري الدراسية ويوجهني لقراءة أمهات كتب القانون المدني والتجاري وكنت لا أزال في السنة الثانية من دراستي بالكلية، وكان أول من تنبأ لي بالنبوغ في الدراسة والمهنة. ولا أنسي يوم أن اصطحبني إلي محكمة النقض معه بعد تخرجي، وكان يقدمني لزملائه باعتباري ابنه، وتعرفت في ذلك اليوم علي د. مصطفي كيرة رئيس محكمة النقض الأسبق رحمه الله.

وما زلت أتذكر أول محاضرة لي بكلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1983، وكانت لأستاذي الدكتور يحيي الجمل في مادة النظم السياسي، وكان أسلوبه في الشرح ممتعاً وسلساً. وبعد عودتي من دراستي بالخارج وفي بداية أعوام تدريسي لطلاب الدراسات العليا، وفي أثناء إحدي المحاضرات استأذن أستاذي للدخول إلي المحاضرة، وطلب الاستماع لي من مقاعد الطلبة حيث كنت ألقي محاضرة في موضوع جديد نسبياً يتعلق بالجوانب التمويلية لمشروعات المرافق العامة، ولما أحسّ بحجم الحرج الذي أشعر به قال لي في أثناء المحاضرة: «هذه أسعد لحظات حياتي، فأنا اليوم أتتلمذ علي يد أنبغ تلاميذي». وكان هذا درسا لي في كيف أن الأستاذ الحقيقي هو من يستمر في أن ينهل العلم طوال حياته حتي ولو علي أيدي تلاميذه. فإذا توقفت عن الرغبة في التعلم فاعلم أنك توقفت عن الرغبة في الحياة.

ولن أنسي ما حييت قيمة وفضل أستاذي العلامة د. محمود سمير الشرقاوي - متعه الله بالصحة والعافية، فأخواله الكاتب الكبير الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، وأستاذ المرافعات الدكتور عبد المنعم الشرقاوي. ود. سمير الشرقاوي هو أستاذ أساتذة القانون التجاري المعاصرين وعميد كلية الحقوق الأسبق، تتجسد فيه كبرياء الأستاذ وتواضع العالم في الوقت لذاته، يكره السياسة ويعشق العلم، لا أنساه حينما انتفض من مكتبه وقد تأذي لسماع أحد العاملين بالكلية يتحدث إلي أحد المعيدين بطريقة رآها د. سمير غير لائقة، وصاح صيحته الشهيرة التي لا تزال تقرع آذاني - وكان عمري وقتها 21 عاماً: «إن كرامة المعيد من كرامة العميد». فنشأنا علي احترام الذات وكيف يبدأ ذلك من احترام الآخرين. هكذا تعلمت وتربيت علي يد أستاذي.

وبفضله ودعمه تبدلت حياتي العلمية والأكاديمية، فبعد حصولي علي الدرجات النهائية في مادة القانون التجاري مع التعمق رأي العميد الشرقاوي أن مكاني الطبيعي ومستقبلي المهني في قسم القانون التجاري والبحري، وليس قسم تاريخ القانون الذي كنت أعمل به في ذلك الوقت، وصمم علي نقلي ودعمي. ومع انتقالي لقسم القانون التجاري تغير مجري حياتي المهني بفضل أستاذي الجليل الذي أدين له بالكثير.

وكان د. فتحي والي عميد كلية الحقوق الأسبق وصاحب النظريات الأهم في قانون المرافعات في عالمنا العربي؛ هو مثلي الأعلي في الحياة مهنياً وعملياً، عشقت رقيه في التعامل وابتسامته التي لا تفارقه في أصعب الأوقات، وكانت نصيحته لي منذ الأيام الأولي في مسيرتي المهنية: (هاني... عليك أن تحافظ علي تفوقك العلمي والمهني حتي تحافظ علي استقلاليتك طوال حياتك وحتي يكون قرارك دائماً نتاج فكرك الخالص.)

فصاحب المهنة والبارع فيها إنما مَنَحَهُ الله هدية غالية عليه أن يتمسك بها ويحافظ عليها، فمهنتك أبقي وأهم من أي منصب قد يضطرك لقبول أمور تفقد معها استقلالية قرارك. وبفضل العميد فتحي والي انتقلت إلي عالم التحكيم التجاري الدولي حينما رشحني -وكنت لا أزال ابن الثلاثة والعشرين عاماً - للعمل كمساعد لمدير مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي ونائب المحكمة الدستورية العليا في ذلك الوقت د. محمد أبو العينين، وكانت هذه نقلة نوعية أخري في حياتي المهنية.

أساتذتي كانوا دائماً نعم العون والدعم وأدين لهم بالكثير، ولن أنسي ما حييت نصائح ووقفات د. أحمد البرعي معيِ، واللمسات الإنسانية حتي هذه اللحظة لأستاذتي الدكتورة سميحة القليوبي، ولن أنسي أبوة د. محمود السقا، ولا حكمة د. فؤاد رياض، ولا تزال نصيحة د. فؤاد رياض ترن في أذني: (يا هاني.. لا تنزعج من سخافات ومضايقات منافسيك، فهذا دليل علي النجاح، فلا تجعل السخافات توقف قطار النجاح.)

ولا يمكن أن أنسي الوقفات أو اللمسات الإنسانية للعديد من أساتذتي رحمهم الله الذين فارقوا عالمنا، ومنهم مأمون سلامة، ود. نعمان جمعة، ود. صوفي أبو طالب، ود. طعيمة الجرف، ود. نجيب حسني، ود. صلاح عامر.

ولا يمكن أن أنسي بداياتي في عالم المحاماة حيث تتلمذت علي يد الأستاذ علي الشلقاني، وقد قدمني إليه الأستاذ أحمد الخواجة نقيب المحامين. وحينما التقيت بالأستاذ علي الشلقاني لأول مرة في صيف عام 1987 عينني في ذات اليوم وتسلمت العمل في لحظتها، وكان أول زميل لي في غرفة العمل حيث تزاملنا لمدة 3 أعوام متتالية د. زياد بهاء الدين الذي صار بعد ذلك نائباً لرئيس الوزراء.

وخلال رحلة الدراسة بإنجلترا كانت البداية مع عميد كلية الحقوق بـ«كوين ماري» جامعة لندن، وهو البروفيسور برايان نابير، وكنت قد حصلت علي منحة لدراسة الماجستير في قانون التجارة الدولية، وبعد أيام قليلة من بداية الدراسة وكان البروفيسور نابير من بين أساتذتي؛ رأي أنني مؤهل لبدء الدكتوراه مباشرة واستدعاني لمكتبه، وقام هو بنفسه بتقديم طلب تحويل المنحة من الحكومة البريطانية إلي الدكتوراه، وقد وافقت الحكومة البريطانية علي طلبه بعد أقل من أسبوعين. ولا أنسي البروفيسور جوزيف نورتون الذي منحني فرصة العمر حينما عينني -إلي جانب كوني طالبا للدكتوراه -مساعداً له في التدريس بجامعة لندن، وبعد حصولي علي الدكتوراه وقف بجانبي حتي تم تعييني أستاذاً لمادة القانون والتنمية الاقتصادية، وشاركته في نشر العديد من البحوث والمقالات المشتركة، وكنت لا أزال أبلغ من العمر 28 عاماً، ولم تكن السن عائقاً بل كانت دافعاً للتقدم. ومن أعظم الذين التقيت بهم وتتلمذت علي أيديهم كان القاضي البريطاني الشهير «همفريلويد»، وقد تعلمت منه الجدية في كل شيء واحترام الرأي الآخر، وكنت ألتقي به أسبوعياً علي مدار عامين بمكتبه بالمحكمة العليا في إنجلترا، حيث كان يشرف علي رسالتي قبل تعيينه قاضياً، وبعد تعيينه أصر علي الاستمرار في الإشراف علي الرسالة بذات الجدية... وقد سعدت بلقائه بعد عشرين عاماً حينما زاملته كمحكم دولي، وكان هو رئيس هيئة التحكيم، ولم يؤثر الزمان سلباً علي جديته واحترامه للآخر.

إلي كل أساتذتي أطال الله في أعمارهم... كل عام وأنتم بخير. وأتوجه إلي الله بالدعاء لكل أساتذتي ممن رحلوا عن عالمنا. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

5 التعليقات:

  1. اطال الله عمر استاذنا

    لن يكف أبدا الشكر ايفاء القليل من حقه

    لقد وقف بجانبنا الكثير و الكثير

    أمتناننا الشديد لك

    و كل عام و سيادتكم بالف خير و صحة وسعادة

    ردحذف
  2. تتشرف شركة المثالي جروب للنظافة الشاملة بالمنطقة الشرقية بتقدم شركة تنظيف منازل بالخبر والتي تقدم افضل خدمات تنظيف المنازل والشقق والفلل والمجالس والكنب والسجاد والموكيت بالاعتماد عليافضل الامكانيات الحديثة والعمالة الماهرة وخبرة عشرات السنوات بمجالات التنظيف لجميع اركان المنزل وكل مع يحيط به فمع شركة تنظيف بالخبر تستطيعون الحصول علي افضل جودة ممكنة لتنظيف المنازل بارخص الاسعار المثالية

    شركة تنظيف منازل بالخبر
    شركة تنظيف بالخبر
    شركة تنظيف مجالس بالخبر

    ردحذف
  3. هل تحتاج إلى قرض؟


    نحن نقدم حاليا خطة قرض عائم بسعر فائدة 2 ٪ مع بطاقة هوية صالحة صالحة للتحقق.

    يمكنك إرسال طلب قرضك لأي مبلغ تحتاجه من القرض.

    نحن نقدم قروضا تتراوح قيمتها بين 5،000.00 دولار أمريكي كحد أدنى. $ 50،000،000.00 USD Max.

    نعطي ائتمان طويل الأجل من واحد (1) إلى خمسين (50) سنة كحد أقصى.

    نقدم أنواع القروض التالية: قرض المشروع ، قرض إعادة تمويل ، قروض استثمار ، قروض السيارات أو السيارات ، قروض الطلاب ، توحيد الديون ، قروض الإسكان ، قروض شخصية ، قروض السفر والإجازات ، قروض بمناسبة عيد الميلاد ورأس السنة.

    اتصل بنا في مكتب QUICK ASSESS LOAN FIRM عبر البريد الإلكتروني: quickassessloanfirm@gmail.com

    أشكركم على رعايتكم!


    تحياتي الحارة،

    Kathleen Williams.

    ردحذف