الخميس، 14 يوليو 2016

سألوني عن المجلس الأعلي للاستثمار

جريدة الاخبار - 14/7/2016

في  مصر للأسف عندنا "كل حَاجة شبه الحاجة بس مش هي نفس الحاجة"... يعني إيه؟ يعني عندنا في كل نظمنا الاجتماعية والسياسية والحكومية شئ شبه الشئ المفروض، لكنه مختلف عن الشئ اللي المفروض يبقي موجود!! يعني إيه؟ مثلاً عندنا مدارس حكومية، المدرسة من حيث الشكل شبه المدرسة في ألمانيا... بلاش ألمانيا، خليها تركيا!! المدرسة من حيث الشكل مدرسة، مباني، وطلاب ومدرسون ومناهج تعليمية وامتحانات، لكن من حيث المضمون لا علاقة لها بالمدرسة، فمن حيث المضمون المدرسة علشان تبقي مدرسة لازم تخرج مواطنين صالحين، شباب مثقف ومتعلم وقادر علي العمل ومواصلة الدراسة الجامعية أو غير الجامعية، وعنده حد أدني من المخزون الثقافي والاجتماعي، فلدينا مدرسة من حيث الشكل، وأي شئ آخر من حيث المضمون... نفس التحليل ينطبق علي معظم نظمنا ومؤسساتنا الأخري... عندك قطاع الصحة، عندنا مستشفيات حكومية في كل المحافظات، من حيث الشكل والمفهوم هي مستشفي -أي مؤسسة علاجية، ولكن من حيث المضمون هي أداة لتعذيب المواطنين ومصدر شقائهم، فالمستشفي الحكومي -أو حتي الخاص - في مصر مكتمل الأركان من حيث الشكل فيه أطباء وأجهزة طبية وممرضون وأسِرّة وعيادات خارجية وغرف عمليات وغرف طوارئ، أما من حيث نوعية الخدمة والتشخيص والمعاملة الآدمية وتوفير العلاج وحالة التمريض وتوافر التخصصات؛ فحدث ولا حرج.

ولا يخرج إطار أو مناخ الاستثمار في مصر عن نظرية "الشئ شبه الشئ"، فالحكومات المتعاقبة تتحدث عن أهمية الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي لتحقيق التنمية، وضرورته للتشغيل ومحاربة البطالة، وللقضاء علي مشاكل العجز في الموازنة، وللنهضة بالاقتصاد المصري. كل الحكومات المتعاقبة تتحدث عن أهمية المنافسة مع العالم، والقضاء علي مشاكل الاستثمار الأزلية مثل توفير الطاقة والقضاء علي البيروقراطية، وحل مشكلة تخصيص الأراضي وتسعيرها، وإزالة التعقيدات الإدارية، وتبسيط إجراءات البناء ومنح التراخيص، وتيسير إجراءات التقاضي، وتحسين إجراءات الربط الضريبي، وإزالة التعقيدات الجمركية بكل صورها، وتفعيل قواعد المنافسة الحرة... إلي آخره. ولكن الواقع علي الأرض عكس ذلك بالمرة، فلا يوجد خريطة استثمارية واضحة لمصر، ولا نعرف خريطة استثمارية لأي محافظة داخل القطر المصري، ولا يعرف المستثمر الوطني أو غيره ملامح للسياسة النقدية، ولا توجد خريطة للصناعة الوطنية، ولم يعمل أحد علي تقديم أي حل جدّي لهذه المشكلات طوال السنوات السابقة، وإنما مجرد كلام × كلام، وعود جوفاء لا طائل منها، والخلاصة هروب كثير من الاستثمارات إلي بلاد أخري مثل المغرب والإمارات وشرق آسيا، وتجميد العديد من الاستثمارات داخل مصر، ناهيك عن انخفاض الإنتاج الصناعي المحلي بما يزيد علي 15%.


والمشكلة ليست في عدم توافر الرغبة في الحل أو في تطوير مناخ الاستثمار، وإنما المشكلة أننا خلال السنوات الماضية كنا مصممين علي تحسين مناخ الاستثمار بنفس الفكر التقليدي العقيم، ونفس الأدوات البالية. ومشكلة الاستثمار ليست عند وزارة الاستثمار، فمشاكل الاستثمار أقرب "بدم تفرق بين القبائل" فضاع الهدف وضاعت المسئوليات. فإذا شئت أن تبني مصنعاً للأدوية فتذهب إلي هيئة الاستثمار لتأسيس الشركة، وإلي التنمية الصناعية لتخصيص الأرض، وإلي وزارة الكهرباء والبترول للتعاقد علي الطاقة، وإلي وزارة الصحة للحصول علي تراخيص التشغيل، وإلي المحليات للحصول علي ترخيص البناء، وإلي وزارة الآثار لاستصدار شهادة بعدم وجود آثار في منطقة كفر البطيخ، وإلي وزارة البيئة للحصول علي الموافقات البيئية، وقد تحتاج إلي موافقة الدفاع الجوي للحصول علي الموافقة علي ارتفاعات معينة في بعض المناطق، وإذا كنت في سيناء فعليك التعامل مع جهاز تنمية شبه جزيرة سيناء، وعند التشغيل واستيراد المعدات فهناك مشكلات العملة والاستيراد والتصدير، والتسعير وهكذا... وطبعاً كل جهة تعمل في وادٍ.

وزارة الاستثمار مسئولة عن رسم سياسات الاستثمار وتشجيعه، ولكن كل ملفات الاستثمار بلا استثناء وكل مفاتيح معوقات الاستثمار خارج نطاق الاختصاص الوظيفي والولائي لوزارة الاستثمار، فبدون المسئولية التضامنية لكافة الوزارات والهيئات والمحافظات لن نتقدم خطوة واحدة في ملف الاستثمار. وهذا ما أدركته وزيرة الاستثمار داليا خورشيد، فوزير الاستثمار شأنه شأن المستثمر ضحية البيروقراطية وسياسات الجزر المنعزلة، فتحول كثير من وزراء الاستثمار إلي "مطيباتية ياخدو بخاطر المستثمر الشاكي". ومن هنا -في رأيي -جاء التحرك الأخير نحو اقتراح إنشاء مجلس أعلي للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية. وهو اقتراح سبق أن تقدمت به شخصياً منذ أكثر من أربعة أعوام، وكتبت عن تفاصيله في مقال لي في هذا المكان يوم 6/11/2014. ولذلك سعدت بتفعيل هذا الاقتراح أخيراً، وأحيي الوزيرة عليه، فالهدف من هذا الاقتراح هو تصحيح مسار الاستثمار والاقتصاد الوطني بعد معاناة طويلة، فالتنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا من خلال الاستثمار الصناعي والزراعي والإنتاجي بشكل عام، ولن يتم القضاء علي المعوقات إلا من خلال رئيس السلطة التنفيذية، ولتحديد الأهداف والمسئوليات لأعضاء الحكومة، فوزراء الطاقة مسئولون عن توفير الطاقة للمشروعات الإنتاجية والتصديرية التي توافق عليها الحكومة، وفي ضوء الخطة الصناعية والزراعية التي تضعها وزارتا الصناعة والزراعة، ووزارة النقل مسئولة عن مشروعات البنية الأساسية للنقل النهري والبري في ضوء هذه الخطط وهكذا... ويكون الجميع مسئول أمام رئيس الدولة. ليس الهدف من المجلس الأعلي للاستثمار أن يباشر أي دور تنفيذي ولا أن يحل محل الوزارات، ولكنه أداة تحقيق أهداف الاستثمار داخل جميع أجهزة الدولة والمحافظات، والآلية المسئولة عن ضمان أداء كل جهة لواجباتها في هذا الإطار. ولقد سبق أن كتبت في هذا المكان منذ عامين تقريباً عن أفكاري بشأن هذا المجلس، وأعيد تكرار بعضها هنا:
أعتقد أنه يجب أن يكون شعار المجلس هو "الاستثمار من أجل التنمية والتشغيل"، فخلْق مليون فرصة عمل سنوياً يقتضي استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار في السنة الواحدة، فلا نمو ولا تنمية ولا عدالة اجتماعية بدون استثمارات مباشرة حقيقية تساهم في زيادة الناتج القومي المحلي.

أقترح أن يكون من أولويات المجلس وضع أهداف استراتيجية أساسية، منها -علي سبيل المثال-رفع حجم الاستثمارات المباشرة إلي 20 مليار دولار أمريكي خلال السنوات الأربع القادمة، ووضع مصر علي مرتبة أفضل 50 دولة في العالم بشأن مناخ جذب الاستثمار، وتوسيع قاعدة التمويل المصرفي إلي المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بحيث لا تقل نسبة التمويل لهذه المشروعات عن 30% من إجمالي حجم التمويل الصناعي والزراعي والتجاري والخدمي.

أري أن تقتصر مهام المجلس الأعلي للاستثمار علي مهام رئيسية:
وضع استراتيجيات خريطة الاستثمار في مصر.
تحديد أولويات الإصلاح الخاصة بإزالة معوقات الاستثمار، بما في ذلك الإصلاحات التشريعية والضريبية والمؤسسية والجمركية، وسهولة بدء النشاط، والتراخيص، وتخصيص الأراضي، وبيئة العمل، وإنفاذ العقود، ونظم تسوية المنازعات... وغيرها من الأمور.

متابعة تنفيذ الحكومة والهيئات المختصة لتنفيذ خريطة إصلاح الاستثمار وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، من خلال جدول زمني محدد. فالاستثمار من أجل التنمية هو مسئولية تضامنية للحكومة والمحافظين والهيئات التابعة لها.
الفصل في تنازع الاختصاصات بين الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة بشأن أمور الاستثمار، مثل الولاية وتخصيص الأراضي... إلخ.

متابعة تنفيذ آليات حسم منازعات الاستثمار، ومدي التزام الجهات الحكومية بقرارات لجان فض المنازعات والتسوية وأحكام المحاكم.

ليس المطلوب من المجلس الأعلي للاستثمار أي دور تنفيذي، حتي لا تختلط وتتعدد الدوائر، ولكنه يجب أن يكون الصخرة التي تنكسر عليها كل مشكلات الاستثمار ومعوقاته.

إن قيادة الرئيس لهذا المجلس رسالة قوية بأن الاستثمار العام والخاص والوطني علي رأس أولويات اهتمام الدولة. هذه خطوة علي الطريق الصحيح علينا أن نستثمرها جيداً. اللينك

استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

0 التعليقات:

إرسال تعليق