الاثنين، 16 مارس 2015

الاعتراف بالمشكلات اولى الخطوات الجادة للإصلاح


16/3/2015


على الرغم مما تواجهه مصر من تحديات اقتصادية وسياسية على مدار نصف عقد من الزمان، فإنها لا تزال واحدة من مناطق الاستثمار الأهم في منطقة الشرق الأوسط. وطبقاً لتقرير التنافسية العالمية الأخير؛ فإن مصر تعد واحدة من أكثر الأسواق القابلة للنمو والتطور.

لقد أيقنت الحكومات المتعاقبة مؤخراً أن خلق مناخ ملائم وجاذب للاستثمار في مصر هو الحل الرئيسي لمواجهة العجز في الميزان التجاري الذي بلغ 33 مليار دولار أمريكي، وللحد من البطالة التي سجلت معدلاً بلغ 13%، ولزيادة الاحتياطي الأجنبي من العملات الأجنبية الذي وصل إلى 15 مليار دولار أمريكي. الاستثمار إذا أحسن استغلاله يعني التشغيل، والتنمية، والاستقرارين الاجتماعي والسياسي.

وكانت الخطوة الأولى الجادة التي اتخذتها الحكومة المصرية –في رأيي- لتشجيع مناخ الاستثمار هو الاعتراف بوجود مشكلات ومعوقات حقيقية تواجه الاستثمار وتحد من نموه. وقد جاء هذا الإقرار والاعتراف على لسان وزير الاستثمار المجتهد والجاد الوزير/ أشرف سلمان.

والمتتبع للأمور بدقة يستطيع أن يلمس بسهولة مدى الجدية وحجم المجهودات المبذولة في هذا الإطار على مدار الستة أشهر الأخيرة لمجابهة معوقات الاستثمار في مصر.

ولعل أهم تحديات الاستثمار خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة تمثلت في أمور خمسة رئيسية: أولها: حالة عدم الاستقرار السياسي. ولا شك أن تعديل الدستور والاستفتاء عليه، ثم انتخاب الرئيس السيسي، وتعيين حكومة بتكليفات محددة، كان خطوة إيجابية وإشارة جادة نحو تحقيق هذا الاستقرار، وتستكمل هذه الخطوة بانتخابات البرلمان وتعيين حكومة دائمة خلال شهرين من الآن. ولم تعد تشير التقارير –كما حدث في تقرير البنك الدولي الصادر في سبتمبر 2011- إلى عدم الاستقرار السياسي كأحد معوقات الاستثمار في مصر، فأصبحت هذه المسألة خلف ظهورنا الآن، وفي تحسن مستمر، رغم ما تواجهه مصر من إرهاب.

وأما التحدي الثاني الذي واجهناه على مدار الأعوام الثلاث 2011 و2013 و2014 تمثل في الوضع الأمني. وعلى الرغم مما يحدث خلال الأسابيع الماضية من محاولات للتخويف والتعدي على المرافق العامة الأساسية، إلا أن الوضع الأمني العام لم يعد يشار إليه باعتباره معوقاً للاستثمار على النحو الذي كان عليه في عامي 2011 و2012، فمعدل السرقات بالإكراه والفوضى وجرائم التعدي انخفض بشكل ملحوظ ولم يعد معوقاً أمام الاستثمار أو يمثل حالة عامة طبقاً للتقارير الدولية الصادرة في هذا الشأن.

وأما التحدي الثالث الذي واجهه الاستثمار خلال الفترة الماضية، فتمثل في غياب رؤية واستراتيجية واضحة تتعلق بسياسيات الدولة الاقتصادية سواء السياسات المالية أو النقدية، وتوجهاتها نحو الاقتصاد الحر من عدمه، أو إقرار سياسات توسعية أو انكماشية، ومدى استعداد الحكومة لاتخاذ إجراءات إصلاحية. والحقيقة أن الحكومة خلال الستة أشهر الأخيرة بدأت تعلن عن رؤيتها بوضوح، واتخذت خطوات جادة نحو الإصلاح الاقتصادي؛ أهمها إجراءات تصحيح مسار دعم المنتجات البترولية، وفتح المجال للاستثمار الخاص في مشروعات البنية الأساسية، وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء، والإعلان عن تعريفة الأسعار خلال الخمس سنوات القادمة تمهيداً للاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة، والإعلان عن البدء في تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدلاً من ضريبة المبيعات، وتبني سياسة واضحة بشأن التوسع في الإنفاق العام على مشروعات البنية الأساسية، وتجنب السياسات الانكماشية.

وهكذا لم تعد السياسات الاقتصادية تتسم بالضبابية والفجائية، فأصبح المستثمر محيطاً برؤية الدولة الاقتصادية، وقادر على التخطيط طويل الأجل. ولعل مؤتمر شرم الشيخ فرصة حقيقية أمام الحكومة لكي تعلن عن هذه السياسات بشكل واضح ومحدد.

أما التحدي الرابع، والذي كان يغطي مناخ الاستثمار بغمامة كئيبة هو ما حدث من ملاحقات جنائية عشوائية للمستثمرين، ومنازعات قضائية، وإلغاء لتعاقدات قائمة منذ سنوات عديدة. فلا شك أن هذا المناخ أدى إلى ارتفاع المخاطر القانونية المحيطة بالاستثمار في مصر، وكان رادعاً ومنفراً لتدفق أية استثمارات جديدة. وقد أدركت الحكومة بعد فترات من التردد أن عدم المواجهة له آثار سلبية لا يمكن تداركها. فاتخذت خطوات جادة، وتوفرت لديها الإرادة السياسية والشجاعة لإصلاح هذا الخلل. وكانت بدايته بتعديل القانون لكي يحد من الطعن على عقود الدولة في غير الحالات التي يثبت فيها الفساد بأحكام جنائية، فقصر المشرع الطعن على عقود الدولة لأطراف التعاقد أو ممن تأثرت حقوقهم العينية بهذا التعاقد. ومع ذلك أجاز المشرع للغير الطعن على هذه العقود وإبطالها في حالة ثبوت الفساد بشأنها وصدور حكم جنائي بات.

ولم تقف الحكومة عند هذه الخطوة، فعلى الرغم من انتشار ظاهرة الأيادي المرتعشة لدى الكثير من مسئولي الدولة إلا أن مجلس الوزراء قد تصدى لهذه الظاهرة، واتجه نحو التسوية الودية للعديد من المنازعات. ولعل المتابع بدقة للملفات التي أحيلت للنيابة العامة يدرك مدى التحول الجذري الذي حدث إذ أن عدد القضايا التي تم قبول التسوية بشأنها تجاوز الثلاثون قضية، وما تم إحالته إلى محكمة الجنايات بشأن عقود الاستثمار لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة على مدار عام كامل.

ولعل آخر الخطوات ذات الدلالة الإيجابية هو مشروع تعديل قانون الاستثمار الأخير الذي أقره مجلس الوزراء الأسبوع الماضي، والذي أقر –ولأول مرة في تاريخ التشريع المصري بشكل واضح- بالمسئولية الجنائية للشخص الاعتباري، وإلغاء توقيع العقوبات البدنية على رؤساء مجالس الإدارة أو الأعضاء المنتدبين للشركة لمجرد صفتهم هذه حتى ولو لم يثبت ارتكابهم شخصياً لأي من الجرائم المعاقب عليها. هذه نقطة تحول تاريخية في التشريع العقابي المصري، وتعكس نظرة إيجابية ورغبة حقيقية في خلق مناخ ملائم للاستثمار.

وأما التحدي الخامس الذي واجهته مصر بجدية فتمثل في البيروقراطية وتعقيد الإجراءات الخاصة بإنشاء المشروعات وصعوبة الحصول على التراخيص، وهو ما أثر سلبياً على مناخ الاستثمار في مصر. وقد أقرت الحكومة بذلك، فعملت أخيراً على تعديل قانون الاستثمار لتطبيق نظام الشباك الواحد، بحيث تكون الهيئة العامة للاستثمار ممثلاً لكافة الجهات الحكومية في التعامل مع المستثمر. وقد أحسن وزير الاستثمار حينما أعلن أن التطبيق الكامل لهذا النظام قد يستغرق 18 شهراً لما يستلزمه من الربط الإلكتروني بين كافة الدوائر الحكومية، فمن المهم أن نكون واضحين وصادقين فيما يتم الإعلان عنه. 

ومن الخطوات الإيجابية كذلك التعديل الذي أدخل على قانون الاستثمار بإضافة باب جديد لتخصيص الأراضي للاستثمار، والنص على نظام وقواعد التخصيص بشكل مؤسسي.

وأخيراً فإن تعديل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة، وإقراره كنظام قانوني لمشروع تنمية قناة السويس وغيره من المشروعات القومية، يمثل إطاراً استثمارياً جيداً، لأنه يخلص المناطق الاقتصادية الجديدة من كل قيود بيروقراطية، ومن تنازع للاختصاصات بين الجهات الحكومية.

من المؤكد أن هذه الخطوات جميعها أمور جيدة ويجب تشجيعها، وقد كان لها مردود إيجابي خلال الستة أشهر الماضية، إذ ارتفع معدل النمو الاقتصادي بشكل غير مسبوق حيث وصلت نسبته في الشهور الستة المذكورة حوالي 5%، وانخفض معدل التضخم إلى 7%، وزادت التفقدات الاستثمارية بنسبة 17%.

ولكننا نؤكد على أن هذه مجرد بداية ورسالة إيجابية، ولكن مشوار الإصلاح طويل وشاق ويجب أن تصحبه خطوات أخرى وقرارات صعبة.

ولكننا يجب أن نتمسك بتفاؤلنا بالمستقبل وقدرتنا على التغير إلى الأفضل، فكافة الدلائل تشير إلى أننا نسير على الطريق الصحيح وبخطى ثابتة.

0 التعليقات:

إرسال تعليق