الخميس، 14 يوليو 2016

سألوني عن المجلس الأعلي للاستثمار


جريدة الاخبار - 14/7/2016



في  مصر للأسف عندنا "كل حَاجة شبه الحاجة بس مش هي نفس الحاجة"... يعني إيه؟ يعني عندنا في كل نظمنا الاجتماعية والسياسية والحكومية شئ شبه الشئ المفروض، لكنه مختلف عن الشئ اللي المفروض يبقي موجود!! يعني إيه؟ مثلاً عندنا مدارس حكومية، المدرسة من حيث الشكل شبه المدرسة في ألمانيا... بلاش ألمانيا، خليها تركيا!! المدرسة من حيث الشكل مدرسة، مباني، وطلاب ومدرسون ومناهج تعليمية وامتحانات، لكن من حيث المضمون لا علاقة لها بالمدرسة، فمن حيث المضمون المدرسة علشان تبقي مدرسة لازم تخرج مواطنين صالحين، شباب مثقف ومتعلم وقادر علي العمل ومواصلة الدراسة الجامعية أو غير الجامعية، وعنده حد أدني من المخزون الثقافي والاجتماعي، فلدينا مدرسة من حيث الشكل، وأي شئ آخر من حيث المضمون... نفس التحليل ينطبق علي معظم نظمنا ومؤسساتنا الأخري... عندك قطاع الصحة، عندنا مستشفيات حكومية في كل المحافظات، من حيث الشكل والمفهوم هي مستشفي -أي مؤسسة علاجية، ولكن من حيث المضمون هي أداة لتعذيب المواطنين ومصدر شقائهم، فالمستشفي الحكومي -أو حتي الخاص - في مصر مكتمل الأركان من حيث الشكل فيه أطباء وأجهزة طبية وممرضون وأسِرّة وعيادات خارجية وغرف عمليات وغرف طوارئ، أما من حيث نوعية الخدمة والتشخيص والمعاملة الآدمية وتوفير العلاج وحالة التمريض وتوافر التخصصات؛ فحدث ولا حرج.

ولا يخرج إطار أو مناخ الاستثمار في مصر عن نظرية "الشئ شبه الشئ"، فالحكومات المتعاقبة تتحدث عن أهمية الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي لتحقيق التنمية، وضرورته للتشغيل ومحاربة البطالة، وللقضاء علي مشاكل العجز في الموازنة، وللنهضة بالاقتصاد المصري. كل الحكومات المتعاقبة تتحدث عن أهمية المنافسة مع العالم، والقضاء علي مشاكل الاستثمار الأزلية مثل توفير الطاقة والقضاء علي البيروقراطية، وحل مشكلة تخصيص الأراضي وتسعيرها، وإزالة التعقيدات الإدارية، وتبسيط إجراءات البناء ومنح التراخيص، وتيسير إجراءات التقاضي، وتحسين إجراءات الربط الضريبي، وإزالة التعقيدات الجمركية بكل صورها، وتفعيل قواعد المنافسة الحرة... إلي آخره. ولكن الواقع علي الأرض عكس ذلك بالمرة، فلا يوجد خريطة استثمارية واضحة لمصر، ولا نعرف خريطة استثمارية لأي محافظة داخل القطر المصري، ولا يعرف المستثمر الوطني أو غيره ملامح للسياسة النقدية، ولا توجد خريطة للصناعة الوطنية، ولم يعمل أحد علي تقديم أي حل جدّي لهذه المشكلات طوال السنوات السابقة، وإنما مجرد كلام × كلام، وعود جوفاء لا طائل منها، والخلاصة هروب كثير من الاستثمارات إلي بلاد أخري مثل المغرب والإمارات وشرق آسيا، وتجميد العديد من الاستثمارات داخل مصر، ناهيك عن انخفاض الإنتاج الصناعي المحلي بما يزيد علي 15%.


والمشكلة ليست في عدم توافر الرغبة في الحل أو في تطوير مناخ الاستثمار، وإنما المشكلة أننا خلال السنوات الماضية كنا مصممين علي تحسين مناخ الاستثمار بنفس الفكر التقليدي العقيم، ونفس الأدوات البالية. ومشكلة الاستثمار ليست عند وزارة الاستثمار، فمشاكل الاستثمار أقرب "بدم تفرق بين القبائل" فضاع الهدف وضاعت المسئوليات. فإذا شئت أن تبني مصنعاً للأدوية فتذهب إلي هيئة الاستثمار لتأسيس الشركة، وإلي التنمية الصناعية لتخصيص الأرض، وإلي وزارة الكهرباء والبترول للتعاقد علي الطاقة، وإلي وزارة الصحة للحصول علي تراخيص التشغيل، وإلي المحليات للحصول علي ترخيص البناء، وإلي وزارة الآثار لاستصدار شهادة بعدم وجود آثار في منطقة كفر البطيخ، وإلي وزارة البيئة للحصول علي الموافقات البيئية، وقد تحتاج إلي موافقة الدفاع الجوي للحصول علي الموافقة علي ارتفاعات معينة في بعض المناطق، وإذا كنت في سيناء فعليك التعامل مع جهاز تنمية شبه جزيرة سيناء، وعند التشغيل واستيراد المعدات فهناك مشكلات العملة والاستيراد والتصدير، والتسعير وهكذا... وطبعاً كل جهة تعمل في وادٍ.

وزارة الاستثمار مسئولة عن رسم سياسات الاستثمار وتشجيعه، ولكن كل ملفات الاستثمار بلا استثناء وكل مفاتيح معوقات الاستثمار خارج نطاق الاختصاص الوظيفي والولائي لوزارة الاستثمار، فبدون المسئولية التضامنية لكافة الوزارات والهيئات والمحافظات لن نتقدم خطوة واحدة في ملف الاستثمار. وهذا ما أدركته وزيرة الاستثمار داليا خورشيد، فوزير الاستثمار شأنه شأن المستثمر ضحية البيروقراطية وسياسات الجزر المنعزلة، فتحول كثير من وزراء الاستثمار إلي "مطيباتية ياخدو بخاطر المستثمر الشاكي". ومن هنا -في رأيي -جاء التحرك الأخير نحو اقتراح إنشاء مجلس أعلي للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية. وهو اقتراح سبق أن تقدمت به شخصياً منذ أكثر من أربعة أعوام، وكتبت عن تفاصيله في مقال لي في هذا المكان يوم 6/11/2014. ولذلك سعدت بتفعيل هذا الاقتراح أخيراً، وأحيي الوزيرة عليه، فالهدف من هذا الاقتراح هو تصحيح مسار الاستثمار والاقتصاد الوطني بعد معاناة طويلة، فالتنمية والتشغيل والعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا من خلال الاستثمار الصناعي والزراعي والإنتاجي بشكل عام، ولن يتم القضاء علي المعوقات إلا من خلال رئيس السلطة التنفيذية، ولتحديد الأهداف والمسئوليات لأعضاء الحكومة، فوزراء الطاقة مسئولون عن توفير الطاقة للمشروعات الإنتاجية والتصديرية التي توافق عليها الحكومة، وفي ضوء الخطة الصناعية والزراعية التي تضعها وزارتا الصناعة والزراعة، ووزارة النقل مسئولة عن مشروعات البنية الأساسية للنقل النهري والبري في ضوء هذه الخطط وهكذا... ويكون الجميع مسئول أمام رئيس الدولة. ليس الهدف من المجلس الأعلي للاستثمار أن يباشر أي دور تنفيذي ولا أن يحل محل الوزارات، ولكنه أداة تحقيق أهداف الاستثمار داخل جميع أجهزة الدولة والمحافظات، والآلية المسئولة عن ضمان أداء كل جهة لواجباتها في هذا الإطار. ولقد سبق أن كتبت في هذا المكان منذ عامين تقريباً عن أفكاري بشأن هذا المجلس، وأعيد تكرار بعضها هنا:
أعتقد أنه يجب أن يكون شعار المجلس هو "الاستثمار من أجل التنمية والتشغيل"، فخلْق مليون فرصة عمل سنوياً يقتضي استثمارات لا تقل عن 15 مليار دولار في السنة الواحدة، فلا نمو ولا تنمية ولا عدالة اجتماعية بدون استثمارات مباشرة حقيقية تساهم في زيادة الناتج القومي المحلي.

أقترح أن يكون من أولويات المجلس وضع أهداف استراتيجية أساسية، منها -علي سبيل المثال-رفع حجم الاستثمارات المباشرة إلي 20 مليار دولار أمريكي خلال السنوات الأربع القادمة، ووضع مصر علي مرتبة أفضل 50 دولة في العالم بشأن مناخ جذب الاستثمار، وتوسيع قاعدة التمويل المصرفي إلي المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بحيث لا تقل نسبة التمويل لهذه المشروعات عن 30% من إجمالي حجم التمويل الصناعي والزراعي والتجاري والخدمي.

أري أن تقتصر مهام المجلس الأعلي للاستثمار علي مهام رئيسية:
وضع استراتيجيات خريطة الاستثمار في مصر.
تحديد أولويات الإصلاح الخاصة بإزالة معوقات الاستثمار، بما في ذلك الإصلاحات التشريعية والضريبية والمؤسسية والجمركية، وسهولة بدء النشاط، والتراخيص، وتخصيص الأراضي، وبيئة العمل، وإنفاذ العقود، ونظم تسوية المنازعات... وغيرها من الأمور.

متابعة تنفيذ الحكومة والهيئات المختصة لتنفيذ خريطة إصلاح الاستثمار وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، من خلال جدول زمني محدد. فالاستثمار من أجل التنمية هو مسئولية تضامنية للحكومة والمحافظين والهيئات التابعة لها.
الفصل في تنازع الاختصاصات بين الوزارات والهيئات الحكومية المختلفة بشأن أمور الاستثمار، مثل الولاية وتخصيص الأراضي... إلخ.

متابعة تنفيذ آليات حسم منازعات الاستثمار، ومدي التزام الجهات الحكومية بقرارات لجان فض المنازعات والتسوية وأحكام المحاكم.

ليس المطلوب من المجلس الأعلي للاستثمار أي دور تنفيذي، حتي لا تختلط وتتعدد الدوائر، ولكنه يجب أن يكون الصخرة التي تنكسر عليها كل مشكلات الاستثمار ومعوقاته.

إن قيادة الرئيس لهذا المجلس رسالة قوية بأن الاستثمار العام والخاص والوطني علي رأس أولويات اهتمام الدولة. هذه خطوة علي الطريق الصحيح علينا أن نستثمرها جيداً. اللينك

استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

الخميس، 7 يوليو 2016

ليليان داود .. من الجاني ومن المجني عليه؟

جريدة الاخبار - 6/7/2016

بينما كانت الطائرة في طريقها إلي الإقلاع من ألمانيا متوجهة إلي طريق العودة إلي الوطن تلقيت علي تليفوني رسالة مقتضبة تتضمن خبر «القبض علي ليليان داود» التي لا أعرفها معرفة شخصية، وإن ظهرت معها في برنامجها لمرة واحدة منذ أكثر من أربعة أعوام تقريباً... انزعجت للخبر لأن القبض علي أي إعلامي أو صاحب رأي خبر مزعج... بعد أن وصلت الطائرة إلي مطار القاهرة بدأت تتضح معالم القصة... كان من الواضح أن إقامة «ليليان داود» التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والبريطانية قد انتهت، وامتنعت السلطات المصرية عن التجديد منذ فترة، رغم أنها كانت تعمل بقناة أون تي في، وعلي الرغم من أنها تقيم في مصر منذ أكثر من عشر سنوات، وأن ابنتها مصرية تبلغ من العمر عشر سنوات... يبدو مما نشر في الصحف، أنها استدعيت من الإدارة الجديدة لقناة أون تي في، وأبلغت بإنهاء عقدها معها، وبعد ساعات معدودات من عودتها إلي منزلها في الزمالك داهم منزلها ثمانية - حسب روايات الصحف - من رجالات الأمن الأشداء، وطلبوا منها مغادرة مصر فوراً لانتهاء إقامتها وعقد عملها، وأمروها أن تغادر البلاد دون ابنتها الوحيدة وتتركها خلفها، ودون أي حق في الاعتراض القانوني، ودون أن تصطحب أية متعلقات شخصية، ودون الحق في الاتصال تليفونياً بأحد، وتم تخييرها بين السفر إلي لبنان أو إلي بريطانيا التي تحمل جنسيتهما، وقد اختارت السفر إلي لبنان... ربما يكون لـ «ليليان» خطها الإعلامي أو الفكري غير المرضي عنه، ومن حق الإدارة الجديدة أن تنهي علاقة العمل مع أي من مذيعيها أو ممن لا تتفق آراؤهم مع وجهة نظر القناة أو توجهها، ولا شك من حق الدولة أن تُرحل من انتهت إقامته».


لن أناقش أياً من هذه الأمور رغم أنها تحتاج إلي المناقشة... ولكن للأسف وللمرة المليون، فإن الطريقة التي تم التعامل بها مع هذه القضية دلالة علي الفشل وعلي الإصرار علي الإساءة إلي مصر وسمعتها، وذكرني التعامل الأمني مع هذه الواقعة بما سبق أن حدث مع المهندس صلاح دياب منذ عدة أشهر!! نفس التخبط ونفس النهج العقيم الضار بسمعة مصر ومصداقيتها، نفس النهج المتخلف الذي تم التعامل به مع قضية «روجيني»... لا شك أن الطريقة التي تم التعامل بها مع «ليليان» من وجهة نظر من أعطي الأمر ومن قام بالتنفيذ، أنها يجب أن تكون عبرة لأي إعلامي يتخذ خطاً منفرداً أو ينطق بكلام تعتبره السلطات من باب التكدير للأمن العام، ولكن ما فات هؤلاء العباقرة أن طريقة التعامل كان بها قدر من المبالغة والتنكيل بأصحاب الرأي بشكل غير مفهوم، كان يمكن التعامل بشكل حضاري مع المسألة يليق بمصر، وبطريقة أكثر هدوءاً وأكثر عقلانية وأكثر إنسانية... لايزال بيننا من يتعامل بنظرية «الدبة اللي قتلت صاحبها»... ففي واقعة المهندس صلاح دياب أراد صاحب القرار وإخراج عملية القبض عليه التنكيل بكل من يختلف من رجال الأعمال مع الدولة، فكانت النتيجة الإضرار البالغ بمناخ الاستثمار في مصر، وإرسال رسالة تعيسة بالغة السوء إلي كل من تسول له نفسه بالاستثمار والتعبير عن رأيه في ذات الوقت، وخرج صلاح دياب، وتمت تسوية الأمر ولكن الضرر الناجم عن هذه التصرفات غير المدروسة لانزال ندفع ثمنه حتي هذه اللحظة، نفس الأمر حدث في التعامل مع واقعة «ليليان داود»، ويتم تصوير مصر وتصديرها علي أنها مثال للقمع والاستبداد، وبعدم وجود أي رحمة في التعامل مع كل من يختلف في الرأي، للأسف الشديد لا نتعلم من الدرس، وسأظل أعيد وأزيد وأكرر... التعامل مع قضايا الرأي ومع الأمور السياسية يكون بالسياسة وليس بالقمع الأمني... القمع الأمني يوحد أعداء الأمس، ويوجد الخصوم السياسيون، ويشعل الغضب المكبوت... المجني عليه نتيجة هذه التصرفات هو مصر!! متي نتعلم... لا أعلم؟

ملحوظة : المقال كان مقدرا له النشر الخميس الماضي وتأجلت الصفحة لضيق المساحة. اللينك
استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

الخميس، 23 يونيو 2016

عودة إلي حلم المشروع القومي للمدرس

جريدة الاخبار - 23/6/2016

تحدثت في المقال السابق عن أنه لا أمل في إصلاح التعليم، ولا تحقيق طفرة في مستوي التعليم الأساسي أي المرحلة من التعليم الابتدائي حتي الثانوي لو لم نبدأ بالمشروع القومي للمدرس. فلا بناء المدارس وحدها، ولا تقليل كثافة الفصول، ولا نظام الغذاء المدرسي، ولا حتي تطوير المناهج واستخدام التكنولوجيا سيحقق طفرة في مستوي التعليم لو لم نبدأ بالمدرس. فالأولويات في إصلاح المنظومة التعليمية متعددة ومتدرجة، ولكن الأولوية رقم (1) في رأيي هي المُدرِس. فصناعة العقل البشري، والتكوين الثقافي تبدأ من عند المدرس. الاتزان النفسي، والتدبر الفكري، والتنوع الثقافي، وثقافة الاختلاف، ومهارة البحث، وحسن التدبر، ووسطية الفكر، واحترام الآخر، وثقافة العمل الجماعي، والإبداع في العمل، وانتظام السلوك، واكتشاف مواطن النبوغ والمهارة، وحسن الإدارة كلها مبادئ ومهارات وأفكار تبدأ من عند المدرس. حتي ولو اعتمدنا علي التعليم عن بعد والتكنولوجيا الحديثة، فهي لن تغني عن المدرس، بل علي العكس ستكون الحاجة إلي المدرس للتوجيه والتطوير أهم بكثير مما هي عليه الآن. الاستثمار البشري في المدرس هو المشروع القومي رقم (1) في رأيي إذا أردنا أن ننتقل من عصور القرون الوسطي إلي العصر الحديث، وإذا شئنا أن نقفز علي مستوي دول العالم من الترتيب رقم (141) من حيث جودة التعليم الأساسي إلي الترتيب رقم (41) خلال العشر سنوات القادمة. إن تدريب وتثقيف المدرس المصري ليس بديلاً عن بناء المدارس، ونحن نحتاج إلي بناء 3 مدارس جديدة كل أسبوع!! إذا استمررنا في الزيادة السكانية بهذا القدر، وتري بعض الدراسات أن استمرار الانفجار السكاني بهذا الشكل سيتطلب خلال الخمس سنوات القادمة بناء (3) مدارس جديدة يومياً وهو أمر مستحيل!!

كما أن المشروع القومي للمدرس المصري ليس بديلاً عن تطوير المناهج واللجوء إلي التكنولوجيا الحديثة فلم تعد لدينا رفاهية التأخير. ولكن مع كل هذا يجب أن نبدأ في المشروع القومي للمدرس. وأعني هنا ضرورة البدء في وضع مشروع قومي واستراتيجية خاصة بتدريب المدرسين وتثقيفهم وتطوير أدائهم، ووضع برامج علي مستوي الجمهورية لضمان تأهيلهم المستمر. وفي هذا السياق أرسل إليّ الصديق د/ محمد عبد اللطيف رسالة، وهو أحد المهتمين بقضايا التعليم ويدير عدداً من المدارس، وحاصل علي الدكتوراه في إدارة التعليم من الولايات المتحدة الأمريكية. جاء في رسالته أن عدد المدرسين في المرحلة الأساسية بلغ مليونا وأربعمائة ألف مدرس. للأسف الشديد الغالبية منهم غير مؤهلين لا علمياً ولا ثقافياً ولا إدارياً لأداء دورهم في تنشئة جيل قادر علي التنمية والنهضة. أعلم تماماً أنه لا يمكن اختزال العملية التعليمية في المدرس، ولكن لا شك أن المدرس هو الركن الأهم، والقاعدة الراسخة التي يمكن أن يبني عليها استراتيجية الإصلاح التعليمي. توجد محاولات فردية هنا وهناك تبني برامج منتظمة للتدريب المستمر للمدرسين. منها علي سبيل المثال ما يبذله رجل الأعمال المهندس/ معتز الألفي من خلال مؤسسته المعنية بتطوير التعليم. فعلي هامش تهنئته علي إصداره لكتابه المتميز بشأن فنون الإدارة، وشكري له علي إهدائه لي هذا الكتاب القيم الذي يلخص مسيرة حياة عملية ناجحة، أخبرني بأن مؤسسة الألفي، وهي لا تهدف إلي تحقيق الربح تقوم بإرسال المدرسين المصريين في أكثر من 28 مدرسة حكومية إلي بعثات تعليمية ودورات تدريبية بألمانيا لتأهيل المدرسين. آمل في تطور هذه المحاولات لتصبح مشروعاً قومياً ولنبدأ بتدريب المدربين قبل المتدربين. إن برامج تأهيل المدرسين ليست مشكلة مصرية بل هي مشكلة تواجه الكثير من دول العالم، ولكنها أصبحت بالنسبة لنا أزمة خطيرة إزاء تردي حالة التعليم، اطلعت علي بعض برامج التدريب للمدرسين في إنجلترا. واكتشفت أن الدورات التدريبية للمدرسين تشمل تسليحهم بالعديد من المهارات اللازمة المكتسبة بدءاً من استقبال التلاميذ بالفصل، واستخدام الصوت للتعبير عن الشرح أو الحديث للتلاميذ، وكيفية عدم استهلاك الوقت لتسجيل حضور الطلاب، واستخدام المفردات في الحوار مع الطلاب، وكيفية استخدام لغة الجسد وحركاته للتعبير، والتواصل مع الطلاب، وكيفية بث الثقة في نفوس التلاميذ، وحثهم علي المشاركة والحوار، وكيفية التعامل علي نحو لا يفقد التلاميذ الانتباه أثناء الحضور في الفصل. أثبتت الدراسات جميعها أن هذه المهارات تحتاج إلي أن تكتسب وأن تُدرس لكي ننشئ أجيالاً صالحة، فلا أمل في الإصلاح والنهضة الثقافية والاقتصادية دون النهضة والإصلاح التعليمي ولا أمل في النهضة والإصلاح التعليمي دون البدء بمشروع قومي للنهوض بالمدرس ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً ومالياً. سؤال إلي المجلس الاستشاري الرئاسي المعني بالتعليم، هل فيما أقول شيء غلط، وإذا كان ما أقوله صحيحاً، فأين استراتيجية تطوير التعليم والمدرس علي وجه الخصوص؟ أفيدونا أفادكم الله... بالمناسبة لا أتوقع إجابة!!

وبمناسبة الحديث عن المشروعات القومية وغذاء العقل من الثقافة والتعليم، فإن ذلك لا يمكن أن ينسينا قضية الطعام وإنتاجنا من الغذاء... أعلم أن الدولة تبني نهجاً واضحاً في محاولة توسيع الرقعة الزراعية منها مشروع زراعة المليون فدان كمشروع زراعي تنموي متكامل. في خلال عشرين عاماً من الآن أو أقل قليلاً ستحتاج مصر إلي ضعف احتياجاتها من الغذاء الآن، فالزيادة السكانية التي لم نفعل شيئاً بشأنها حتي الآن تأكل من مواردنا. مع استمرار تآكل الرقعة الزراعية، ومع ارتفاع عدد السكان لابد أن ننتبه. رغم أننا في حاجة إلي مضاعفة إنتاجنا من المواد الغذائية سواء المنتجات الزراعية أو الأسماك أو اللحوم أو منتجات الألبان إلا أن الأمر ليس بمستحيل. إن مضاعفة إنتاجنا الغذائي من الضروريات لمواجهة الاحتياجات الأساسية للمصريين، ولمواجهة العجز في ميزاننا التجاري، ولتحسين أوضاعنا الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. أتمني أن تضع الدولة خطة واضحة للحد من فقد الإنتاج من المحاصيل الزراعية. فطبقاً لإحدي الدراسات، فإن أكثر من ثلث إنتاجنا الزراعي يضيع هباءً إما بسبب سوء آليات جني المحاصيل وتقنيات الزراعة، أو بسبب انعدام نظم التخزين، أو سوء عملية النقل الداخلي وتباطؤها. فمحصول مثل الطماطم يفسد ثلثه وهو لايزال في أرض المزارع، ويفسد الثلث الآخر من عمليات النقل بين المحافظات أي أن 65% من المحصول وإنتاجنا يضيع، ويصل الثلث فقط إلي المستهلك!! يجب قبل أن نوسع من رقعتنا الزراعية ونستثمر المليارات وهو أمر مطلوب، أن نستثمر بضعة ملايين للمحافظة علي ما ننتجه وأن تكون لدينا سياسات واضحة للتقليل من الفاقد. نريد سياسة حكومية واضحة للتعامل مع آليات الزراعة والحصد، ورفع كفاءة التخزين للمحصولات الزراعية، وتحسين شبكة النقل والتجارة الداخلية ونظم الري. طبقاً لدراسة حديثة أعدتها منظمة الغذاء والزراعة (FAO) فإن مثل هذه السياسات تكفي لتغطية جانب كبير من الفجوة الغذائية التي نواجهها دون أن نزرع شبراً جديداً. لست متخصصاً، لكن تجربة البرازيل تحتاج إلي دراستها بعناية. فاستخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة وتطوير نظم الري لرفع كفاءة الإنتاج الزراعي وإدخال محصولات جديدة، أمور من شأنها أن ترفع من قدرة مصر الإنتاجية بنسبة لا تقل عن 15% في أقل من ست سنوات دون أن نزرع فداناً واحداً إضافياً!! أرجوكم إذا كنت أقول شيئاً غير صحيح، فصححوا لي معلوماتي، وإذا كانت المعلومات صحيحة، فلماذا لم نبدأ بعد، أرجوكم ردوا عليا.... لن يرد أحد!! اللينك

استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

الخميس، 16 يونيو 2016

حلم المشروع القومي للمدرس

جريدة الاخبار - 16/6/2016

والدي رحمة الله عليه من مواليد عام 1907، وحصل علي ليسانس في الحقوق، وليسانس في الآداب قسم تاريخ، وكنت أنبهر وأنا طفل صغير بذاكرته الفولاذية في رسم خرائط دول العالم وتشبيهاته للتذكرة بخريطة كل دولة، فمصر فاتحة يديها إلي العالم، وإيطاليا أشبه بحذاء شتوي طويل (بوت)، وهكذا..، وكان حينما يساعدني في فهم قواعد الصرف والنحو في اللغة العربية كنت أتعجب من بلاغته وقدرته علي تبسيط قواعد اللغة والتي كانت بالنسبة لي أشبه بالطلاسم، وعندما كنت ألجأ إليه لفهم اللغة الإنجليزية أو السؤال عن معني بعض المفردات كنت أجد الإجابة عنده فوراً رغم أنه لم يكن قد درس في أي مدارس أجنبية، وكان يحكي لي قصصه مع مدرّسيه، وتعلمت منه أن أستاذه للجغرافيا في المرحلة الثانوية كان عالماً شهيراً هو الرحالة «علي ثابت»، وكان له اكتشافاته المثيرة في أفريقيا، وكان الرحالة «علي ثابت» - أستاذ الجغرافيا في المدارس الحكومية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي - ينشر اكتشافاته في مجلة «الرسالة» التي كان يرأس تحريرها عميد الأدب العربي الدكتور «طه حسين».


وكان والدي يحكي لي أن أستاذ اللغة العربية الذي تتلمذ عليه كان الشيخ «علي الجارم»، والشيخ «علي الجارم» أديب معروف وشاعر علّامة، وجيلي من الأبناء كنا ندرس أشعاره في مناهج اللغة العربية في السبعينيات من القرن الماضي، وكان والدي - رحمه الله - يفتخر بتلمذته علي يد الشيخ «علي الجارم»، والذي شاءت الأقدار أن ألتقي بحفيده صديقي د/ علي الجارم أثناء دراستي في إنجلترا، وهو حالياً أستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة، وكان والدي يحكي لي بفخر كيف أن الشيخ «علي الجارم» أعطاهم امتحاناً في مادة التعبير، وكان موضوع التعبير «هب أنك زهرة في بستان فماذا أنت فاعل؟»، ويحكي لي كيف أن الشيخ «علي الجارم» غضب منهم مرة فكان موضوع التعبير «هب أنك حمار فماذا أنت فاعل»؟!!

ولم تخل ذكريات أبي عن دراسته من ذكر اسم أستاذه في اللغة الإنجليزية مستر «يدز»، والذي عاد بعد ذلك إلي بلاده في إنجلترا، وصار كبيراً لمفتشي وزارة التعليم في الإمبراطورية البريطانية..، وظل علي تواصله بتلاميذه حتي توفي في منتصف الستينات من القرن الماضي...

حينما كبرت وعدت أتذكر هذه الحكايات أدركت مدي جودة التعليم في هذا الجيل، وقد كانت الفترة من العشرينيات إلي منتصف الستينيات من القرن الماضي هي العصر الذهبي للتعليم الأساسي الحكومي في مصر، وكانت هذه الفترة تمثل عصر النهضة التعليمية بكل معاني الكلمة، ولكني أدركت كذلك أن هذه النهضة التعليمية لم تكن بسبب عدد المدارس، أو قلة عدد التلاميذ في الفصول، أو حتي جودة المناهج، بل كانت كلمة السر هي جودة وكفاءة الأساتذة القائمين علي التعليم الحكومي، فلم يكن متصوراً أن يكون معلومات تلاميذ الرحالة «علي ثابت» في الجغرافيا ضحلة، أو أن تكون اللغة العربية لتلاميذ الشاعر «علي الجارم» ركيكة، أو تكون الثقافة الإنجليزية لدي تلاميذ مستر «يدز» مرتبكة؛ فمفتاح النجاح في نهضة التعليم الأساسي - أي الابتدائي والإعدادي والثانوي - هي «المدرّس».

مصر في القرن الواحد والعشرين حصلت علي الترتيب الـ(141) بين دول العالم من حيث جودة التعليم الأساسي، فكنا - طبقاً لتقارير التنافسية العالمية - علي مدار السنوات الخمس الماضية واحدة من أسوأ ثلاث دول في العالم من حيث جودة التعليم الأساسي بمراحله الثلاث الابتدائي والإعدادي والثانوي.

النهضة الشاملة لهذه الأمة تبدأ من رفع مستوي التعليم، ورفع مستوي التعليم لن يتحقق إلا إذا بدأنا بالمدرّس، فصناعة العقول وشخصية الإنسان تبدأ من عند المدرس، وهي خطوة أهم وأصعب من بناء المدارس وتجديد المناهج، فلا جدوي من كل هذا لو لم يكن لدينا مدرّسون أكفاء..، انهيار التعليم الأساسي في مصر لم يكن سببه الرئيسي ارتفاع كثافة الفصول ولا تردي المناهج، بل كان في المقام الأول تدهور الحالة التعليمية والثقافية والمالية للمدرس ذاته.

ولذلك ليس من المستغرب أن تكون دولة مثل سنغافورة أو فنلندا علي رأس أفضل دول العالم من حيث جودة التعليم، فرواتب المدرّسين هي الأعلي في سنغافورة وبخاصة مدرسي رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية، كما أن متطلبات الدراسة التأهيلية للمعلمين ليست باليسيرة، وحينما سئل «لي كوان» عن أهم أسباب نجاحات سنغافورة رد قائلاً: «..، إننا نصرف موارد الدولة علي التعليم، وإننا نعطي المدرّسين أعلي الأجور».

إنسي كثافة الفصول، والنظام الغذائي في المدارس، وملابس التلاميذ، وتطوير المناهج..، السر في التعليم الأفضل هو المدرّس، فهو الركن الأهم في المنظومة التعليمية، توجد دراسة أمريكية منشورة منذ أسابيع قليلة تثبت أن الحصيلة التعليمية التي يحصل عليها الطلاب من المدرّسين الأكفاء تزيد بثلاثة أضعاف عن الحصيلة التعليمية التي يحصل عليها الطلاب من المدرّسين الأقل كفاءة، فالمعيار الرئيسي في الجودة التعليمية هي التحصيل من المدرّس، يجب أن تسعي الدولة مرة أخري للاستثمار في المدرّسين، ورفع مستوي تعليمهم؛ فناقص الشيء لا يعطيه، إذا كان هناك مشروع قومي أولي بالرعاية فلا شك عندي أنه المشروع القومي لتدريب وتأهيل المدرّسين، يجب تعظيم كفاءة أجيال المدرّسين الحاليين، إن المدرّس الجيد قادر علي إخراج أجيال رائعة من الطلاب من شأنهم تغيير وجه مصر إلي الأفضل إلي الأبد، لست خبيراً في برامج تأهيل المدرّسين ولا أعلم ماذا يفعل المجلس الاستشاري للتعليم التابع لرئيس الجمهورية، وليست لدي معلومات بشأن ما تقوم به وزارة التعليم بشأن برامج تأهيل وتدريب المعلمين، ولا أعلم ما الذي فعله المجلس الأعلي للجامعات لرفع مستوي التعليم والتدريب للكليات المتخصصة للمعلمين، كل ما أعلمه أن حالة المدرّسين الثقافية والعلمية والمالية سيئة، وأن صانعي العقول والأجيال يعانون بمعني الكلمة، وكل ما أدركه أنه ما من دولة نجحت في تحقيق نهضة حقيقية لنظم تعليمها إلا وكانت البداية بتعليم وتأهيل المدرّسين وتطوير قدراتهم، المدرّسون في فنلندا - وهي الدولة رقم (1) في العالم - يتقاضون مرتبات أعلي قليلاً من نظرائهم في الدول الأوروبية، ولكنهم الأفضل بسبب برامج تدريبهم وتأهيلهم ونظرة المجتمع الإيجابية إليهم، إن تطوير المناهج، وأساليب التعليم، والبحث عن الموهوبين، والإدارة المثلي للمدارس، وخلق مواطن صالح؛ هي مهام المدرّس، فهو صانع العقول والأجيال..، فإذا لم نبدأ بتدريبه وتعليمه ستستمر المنظومة التعليمية في الانهيار، وتتبدد أحلامنا في النهضة.

أرجو أن يتبني الرئيس مشروعاً قومياً قوامه «المدرّس المصري»، أرجوك سيادة الرئيس أن تهتم بهذا المشروع، فهذا المشروع هو مشروع النهضة المصرية بكل ما تعنيه الكلمة..، ففي وقت من الأوقات كان المدرّس المصري من أعمق أدوات القوي الناعمة لمصر، واسألوا جيل الرواد في الدول العربية، فجميعهم تتلمذ وتكونت ثقافاته علي أيدي المدرّسين المصريين. اللينك
استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

الخميس، 9 يونيو 2016

إلي أبنائي... جمل لها معني قالها الحكماء

جريدة الاخبار - 9/6/2016

هل تعلم يا بُنَي أن أعظم مخاطرة في الحياة هي عدم المخاطرة، فمن لا يخاطر لا يفعل شيئاً، ولا يملك شيئاً، ويصبح لا شيء. وكن دائماً أنت ولا تحاول أن تكون أحداً آخر، فجميع مقاعد الحياة قد امتلأت ولديك مقعد واحد فقط شاغر هو لذاتك، وكن سعيداً وأنت في الطريق إلي السعادة، فالسعادة الحقيقية في المحاولة، وليست بالضرورة في محطة الوصول. وتأكد أن مهمتك في الحياة ليست أن تسبق غيرك، بل أن تسبق نفسك، وليس أن تتحدي غيرك بل أن تتحدي نفسك. لا تصارع ضميرك، فاجعله دائماً ينتصر عليك.

يا بُنَي، تأكد من أن التفاؤل يمنحك النجاح قبل اكتماله والتشاؤم يذيقك حسرة الفشل قبل حدوثه، فكن متفائلاً، وافعل الصواب بصوت هادئ، فغداً سيتحدث عملك عنك بصوتٍ عال. وثق بنفسك أولاً وعندها سيثق الناس بك ولا تتوقع العكس، لأن من يفقد الثقة بالنفس لا يمكنه أن يظهرها للآخرين. وثق أنه ليس من الذكاء أن تنتصر في الجدال، وإنما من الذكاء ألا تدخل في جدال عقيم أصلاً. لا تحصر أحلامك في هدف واحد ولا تحصر آمالك في شخص واحد ولا تحصر أفكارك في موضوع واحد.

يا بُنَي، النجاح هو أن تحول أحلامك إلي واقع، ولكن إياك أن تحلم إلي الدرجة التي تنسي فيها الواقع، وإياك أن يحاصرك الواقع إلي الدرجة التي تنسي فيها أحلامك!! وإذا كانت لك أهداف كبيرة يصعب تحقيقها فقم بتجزئتها إلي أهداف أصغر قابلة للتحقيق. واعلم أن النجاح لا يقاس كثيراً بالمناصب التي وصل إليها الإنسان في الحياة بقدر ما يقاس بالعقبات التي قد تغلب عليها. واجعل الوصول لهدف بمثابة نقطة انطلاق لهدف آخر. والنجاح له شروط ثلاثة، أن تعرف أكثر من الآخرين، وأن تعمل أكثر من الآخرين، وأن تتوقع الأقل من الآخرين. وعليك أن تدرك أن العقل الواعي هو القادر علي احترام أفكار الآخرين حتي لو لم يؤمن بها. وكن من أصحاب الأرواح الراقية التي تحترم ذاتها وتحترم الغير تتحدث بعمق، تطلب بأدب، تمزح بذوق، تعتذر بصدق وترحل بهدوء.

إن السعادة تسكن القلب بشروط ثلاثة، عدم الحزن علي ما فات، وعدم القلق علي ما هو آت، والرضا بما قسم رب السموات. ولذا فإن السعادة أمر صعب المنال يحتاج إلي جهد، واعرف أن من حق نفسك عليك أن تشعرها بالرضاء، فقط تأمل حياتك وتأمل ما رزقت واشعر بالامتنان. وتذكر قول "برناردشو"، أن تبتسم دائماً لا يعني أنك لا تحمل مشاكل... بل يعني أنك قررت أن تتخطاها. وثق أنه لن يمنحك أحد السعادة التي ترجوها ما لم تسع أنت لتحقيقها فالسعادة نابعة منك أولاً قبل أن تكون من أي شيء أو أحد آخر. الحياة جميلة فقد منحك الله إياها، ولكن أعطها حقها من التفاؤل، كي تعطيك حقك من السعادة. فيا بني الحياة قد تتعثر ولكنها لا تتوقف، والأمل قد يختفي ولكن لا يموت أبداً والفرص قد تضيع ولكنها لا تنتهي، فلا تلهث وراء الفرص الضائعة بل استمر في البحث عن الفرص الجديدة.

يا بُنَي، علمتني الحياة أن الأيام لا تغير أحداً بل تظهر الناس علي حقيقتهم فمنهم من يزداد جمالاً ومنهم من ينكشف زيفه. والعلاقات الإنسانية لا تقاس بطول العشرة وإنما تقاس بجميل الأثر وجميل الأخلاق فكم من معرفة قصيرة المدي لكنها بجمالها أعمق وأنقي. واستمتع كثيراً بما لديك، فإن فكرت كثيراً في المفقود فقدت كثيراً من الموجود لأنك انتقلت من عالم الاستمتاع بما في يديك إلي عالم التفكير بما ليس لديك.

يا بُنَي، لا تصر علي الكلام في كل الأوقات، فللصمت فوائد جمة في غير القليل من الأوقات، فالصمت عبادة من غير عناء وزينة من غير حلي وهيبة من غير سلطان وحصن من غير حائط، وفيه استغناء عن الاعتذار. واعرف أن الصمت لا يعني عدم القدرة علي الرد!! فللصمت غايتان، التغاضي عن التفاهات المطروحة والآخر حينما لا تري جدوي من الحديث. والأناقة في الحياة متعة، فكن أنيقاً في المظهر بلا تكبر ولا كبر، وكن أنيقاً في الجوهر، واعلم أن أرقي أنواع الأناقة هي أن تكون بعيداً عن القيل والقال، نظيف القلب، ناصع الفكر، طيب الأخلاق، جميل المشاعر. وعليك أن تشغل عقلك بأمور جيدة وباستمرار فإن لم تشغله بأفكار جيدة شغلك بأفكار مزعجة سلبية. ولا تفكر بشكل مبالغ فيه في خيبات الماضي، فمثل هذا التفكير يجعل حياتك كئيبة جداً، فلا تقتل لحظتك بالتحسر علي الماضي، وعش حياتك سعيداً فالأيام لا تعود. وتذكر أن عجز الفكر والروح ليس مرتبطاً بالسن، فإذا حصرت نفسك بالتفكير فيما مضي فأنت عجوز عقلاً وروحاً، وإذا شغلت نفسك بالحاضر، فقد صرت صاحب حكمة، وإذا تحولت بفكرك نحو المستقبل فأنت شاب الفكر والروح. ولا تكن أنانياً بل كن كريماً مع كل من تحب، وتذكر ما قاله أوسكار وايلد: ليست الأنانية أن يعيش الإنسان كما يهوي، بل أن يطلب من الآخرين أن يعيشوا كما يريد هو.

وتذكر يا بُنَي ثلاثة أمور في معاملتك للناس لا تجعلها تغيب عن فكرك طوال ما حييت، أولها، أن تعامل الناس علي مبدأ، إن لم تنفعه فلا تضره وإن لم تفرحه فلا تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه، وثانيها، أن لا تجعل همك حب الناس لك فالناس قلوبهم متقلبة قد يحبونك اليوم ويكرهونك غداً وليكن همك حب الله لك فإن أحبك جعل أفئدة الناس تحبك، وثالثها، مهما كان حجم خبرتك وعلمك ومهما كان موقفك ووجهة نظرك احرص علي عدم الاستعجال بالحكم علي الأمور، واعطِ الفرصة للآخرين لتوضيح مقاصدهم.

لا تعود نفسك يا بُنَي علي سوء الظن بالآخرين، فسوء الظن ليس من الفطنة أو الذكاء بل هو مرض يقتل علاقتك بالآخرين. وكلما ازدادت قدرتك علي التسامح، ازداد نضجك، فالشخص المتسامح هو شخص ناضج بالقدر الكافي الذي يجعله يتغاضي عن الأحقاد ويقدر الآخرين وظروفهم. فالمتسامح أسعد الناس قلوباً عرف قيمة الدنيا فلم يبالِ بحقد البشر، واحرص علي فهم الآخرين قبل أن تطالبهم بأن يفهموك فمعظم مشكلاتنا الشخصية تقع بسبب الفجوة بين ما أقصده "أنا" وما تفهمه "أنت".

إن النجاح رحلة، فلا تظن أن الناجحين كانوا هكذا علي الدوام بل هم بشر حصلوا علي نصيبهم من التخبط والفشل وتلمس الطريق الصحيح. وتأكد من أنك إذا استطعت العثور علي طريق خال من المعوقات، فهو غالباً لا يؤدي إلي أي مكان، واعلم أنه إذا جعلك النجاح متكبراً فأنت لم تنجح فعلاً، وإذا كان الفشل يجعلك أكثر تصميماً علي تحقيق أهدافك فأنت لم تفشل حقاً. والفشلة ينقسمون إلي نصفين، هؤلاء الذين يفكرون ولا يعملون، وهؤلاء الذين يعملون ولا يفكرون أبداً، فكن من هؤلاء الذين يفكرون ويعملون.
كلمة أخيرة، اجعل شعارك في الحياة "لا أخاف من الأفكار الجديدة بل أخاف من الأفكار القديمة". بالمناسبة هذه النصيحة أتوجه بها كذلك إلي أعضاء الحكومة الجديدة، حكومة المهندس/ شريف إسماعيل!! وأزيد عليها، يا باشمهندس إسماعيل، لا تخف من الوجوه الجديدة ولا الأفكار الجديدة بل عليك أن تخاف من الوجوه القديمة والأفكار القديمة.
رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير. اللينك

استمع الي المقال على ساوند كلاود.. اللينك

الخميس، 26 مايو 2016

يا دكتور علي... أيصح هذا؟

جريدة الاخبار - 26/5/2016

أعلنت  الحكومة عن نيتها في طرح ما يعادل نسبة 20% من رأس مال شركات قطاع الأعمال العام في البورصة للتداول الحر. وقد أكدت وزيرة الاستثمار علي خطة الحكومة في هذا الاتجاه في أكثر من مناسبة. وقد صرح محافظ البنك المركزي كذلك عن خطة الدولة في طرح نسبة من رأس مال بعض البنوك العامة مثل بنك القاهرة للبيع في البورصة. وأنا شخصياً أؤيد الحكومة في ذلك، وأرجو من رئيس الوزراء أن يدعم وزيرة الاستثمار في تنفيذ هذا التوجه الحكومي. فطرح حصة من رأس مال شركات قطاع الأعمال في البورصة له مزايا متعددة تصب في صالح الاقتصاد القومي. فمن شأن طرح حصة من شركات قطاع الأعمال في البورصة أن تؤدي إلي رفع كفاءة شركات قطاع الأعمال العام وزيادة درجة الإفصاح وتطوير أداء هذه الشركات. فالقيد بالبورصة يقتضي إصدار قوائم مالية ربع سنوية، ويقتضي نسبة معينة تتوافر من الربح حتي يمكن قيد الشركات فيها، ويستلزم الإفصاح عن أية أحداث جوهرية تؤثر علي نشاط الشركة، ويقتضي تحسين وتوفير معايير للحوكمة... كل هذه المتطلبات من شأنها رفع مستوي الأداء ودرجة الإفصاح داخل هذه الشركات.

أيضاً من شأن قيد شركات قطاع الأعمال بالبورصة وطرح نسبة من رأس مالها للتداول التأكيد من الدولة علي سياسة توسيع ملكية القطاع الخاص. ولكي تكون آلية القيد بالبورصة ذات نفع للشركات ذاتها ولإعادة هيكلتها، فإنني أقترح ألا تقتصر عملية الطرح علي بيع حصة من رأس مال هذه الشركات إلي الجمهور، وإنما يجب أن تكون عملية الطرح كذلك من خلال زيادة رأس مال عدد من هذه الشركات علي أن تكون الزيادة مطروحة للجمهور من القطاع الخاص، فالزيادة في رأس المال تعني ضخ هذه المبالغ داخل هذه الشركات واستثمارها مباشرة في نشاط الشركة المعنية وتوسيع أنشطتها، وهو ما يعني استغلال البورصة في تشجيع الاستثمار المباشر. فهناك العديد من شركات قطاع الأعمال تعاني من القصور في التمويل، ويعد زيادة رءوس أموالها من خلال البورصة وسيلة فاعلة لتوفير التمويل اللازم لها.

وتحضرني الذاكرة أن نجاح الدولة عام 2005 في طرح 20% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات بالبورصة كان له مفعول السحر في زيادة معدل الاستثمار المباشر، وتنشيط البورصة المصرية، وأيضاً الحفاظ علي أداء الشركة المصرية للاتصالات وتطوير أدائها. فطرح نسبة من رأس مال شركات قطاع الأعمال العام والبنوك العامة في البورصة سيؤدي حتماً إلي تنشيط البورصة وعودة فعاليتها كأداة للتمويل والاستثمار المباشر في مصر.

ولكن لكي تنجح خطة الدولة في هذا الخصوص فإن هناك عدداً من الشروط الواجب توافرها، فعلي الدولة أن تعلن عن خطة زمنية محددة واضحة المعالم بحيث تبدأ عملية الطرح الأولي خلال الربع الأخير من هذا العام أو الربع الأول من العام القادم علي أكثر تقدير. وعلي الحكومة التنويع في أنشطة الشركات التي سيتم طرحها واختيارها بعناية، ويجب أن تبدأ إعادة الهيكلة قبل عملية الطرح، فهناك شركات يجب دمجها، وهناك إعادة لتوزيع العمالة بين الشركات يجب أن تحدث، ويجب إعادة توزيع الأصول بين الشركات المختلفة، ولابد من إعداد خطط واضحة مسبقة لتطوير أنشطة وإنتاج بعض هذه الشركات، وإعادة تشكيل مجلس إدارتها... كل هذا قبل البدء في الطرح في البورصة إن أردنا أن تكون عملية الطرح ناجحة، ويجب إسناد عملية الطرح لمؤسسات مالية وبيوت خبرة عالية المستوي. وفي رأيي الشخصي يجب ألا تقتصر عملية الطرح علي شركات قطاع الأعمال العام مثل شركات التأمين والأدوية والسياحة والتعدين والنقل البحري والبري، بل تمتد إلي شركات القطاع العام مثل شركات الطيران والبترول والكهرباء.

كلمة أخيرة... إن قانون قطاع الأعمال العام الحالي قد انتهت مدة صلاحيته ولم يعد مؤهلاً ولا صالحاً لكي يكون إطاراً تشريعياً جيداً للشركات في القرن الواحد والعشرين، فآن الأوان لإعادة النظر فيه برمته... هذه نصيحة خالصة لوجه الله للحكومة وهي تعد أجندتها التشريعية للدورة البرلمانية القادمة...

 
يفاجئنا د/ علي عبد العال رئيس مجلس النواب من آن إلي آخر بتصريحات عجيبة غريبة تجعلنا نضرب كفاً علي كف غير مصدقين ما نسمعه. فقد أصدر رئيس مجلس النواب مؤخراً صيحات تهديد ووعيد لأعضاء البرلمان، بأن كل من تسول له نفسه أن ينتقد السياسة النقدية من أعضاء البرلمان في الصحف أو في البرامج التليفزيونية ستتم إحالته إلي لجنة القيم!!... واأسفاه!! واستطرد سيادته أن تصريحات البرلمانيين تضر بالاقتصاد القومي!!... يا الله!! هل هذا الكلام جدي أم أنه نوع من الكوميديا السوداء؟!! هل مجرد اعتراض البنك المركزي أو خطاب منه يستنكر علي أعضاء البرلمان الحديث في السياسة النقدية يجعل رئيس مجلس النواب ينقلب علي أعضاء المجلس ويهددهم علي الملأ وفي الصحف؟!! إن اتهام أعضاء البرلمان بالمساس بالاقتصاد القومي والإضرار به اتهام خطير... فهل هناك محاولة لتكميم أفواه البرلمان بحيث لا يقتصر الأمر علي حرمان الشعب من متابعة أداء البرلمان بل امتد إلي محاولة منع أعضاء البرلمان من الظهور في الإعلام؟ وإذا افترضنا أن هناك من تكلم وأخطأ، ألم يكن من الأولي أن يكون الحديث مع هذا العضو أو الأعضاء في الغرف المغلقة بدلاً من تعميم التهديدات وتوجيهها عبر الصحف، إن في مثل هذا المسلك إضعافا وتهوينا بالبرلمان لا يليق برئيسه، وكان الأولي به أن يدافع عن حرية أعضائه في التعبير عن آرائهم، وليس تقريظهم وتهديدهم في العلن.

وقبل أن تنتهي صدمتنا من هذه التصريحات، فاجأنا رئيس البرلمان برصاصة أخري، فاتهم المراكز البحثية التي تقوم بتدريب أعضاء البرلمان علي قراءة موازنة الدولة وتحليلها وفهمها بأنها تعمل ضد المصلحة العامة وأنها تعمل طبقاً لأجندات أجنبية. ومن هذه المراكز البحثية المتهمة بالعمالة والعمل ضد مصالح الدولة مركز تابع لجريدة الأهرام القومية!! يا للعجب!! أمعقول أن تصدر مثل هذه التصريحات من مسئول في الدولة؟ هل تقديم برامج تدريبية في العلن للبرلمانيين من المتخصصين لإعانتهم علي أداء مسئولياتهم البرلمانية والرقابية يستوجب نعتهم بهذه الصفات وتجريسهم أمام الرأي العام من قبل رئيس البرلمان؟!... ما هذا الذي يجري داخل البرلمان المصري؟ وهل الهدف هو تكميم الأفواه والاغتيال المعنوي لأي عضو برلماني يستهدف البحث عن الحقيقة أو التعبير عن رأي مختلف؟!... إن قيمة البرلمان المصري في تعدد الآراء والتوجهات داخله، وفي قوة الحجة والمعرفة لدي البرلمانيين، لماذا لا يسعي رئيس البرلمان إلي تطوير أداء مركز البحوث والتدريب الخاص بالمجلس؟ لماذا لا يعد هذا المركز برامج جادة للتدريب كتلك التي تعرضها المراكز البحثية الأخري؟ هل يليق نعت مركز للبحوث تابع لجريدة قومية كجريدة الأهرام بأنها تعمل وفق أجندات أجنبية؟ وهل يعقل أن يصدر مثل هذا التصريح علي لسان رئيس البرلمان المصري؟!! يا للهول!!... ليس كل من يختلف مع رئيس البرلمان في الرأي أو يخالفه في التوجه خائن أو عميل أو يستوجب اغتياله معنوياً... مش كده ولا إيه يا دكتور علي؟!

 
طالعت دراسة موجزة صادرة عن وزارة المالية بشأن ضريبة القيمة المضافة المزمع إصدارها، ولاحظت قائمة السلع المعفاة من الخضوع للضريبة، وهي تشمل معظم السلع الغذائية الأساسية. وهذه القائمة تعبر عن أن وزارة المالية - وإن كانت تسعي لتوسيع دائرة الضريبة - إلا أنها تعي تماماً الأثر التضخمي لهذه الضريبة، وتسعي بشكل عام للحد من ارتفاع أسعار السلع الغذائية حال تطبيق هذه الضريبة. رغم التحديات فأنا متفائل ومتعشم خيراً في أداء وزير المالية وفريق عمله المتميز... كان الله في عونهم.

 
ربما لا يعلم الكثيرون أن عمدة لندن الجديد «صديق خان» المسلم ذو الجذور الباكستانية والميول اليسارية، لم يكن جديداً علي العمل العام في بريطانيا، فقد سبق أن كان وزيراً للنقل في حكومة حزب العمال البريطاني عام 2009. وهو أول وزير بريطاني يقسم علي المصحف في قصر باكنجهام، وحينما طلب منه القسم تبين أنه أحضر معه القرآن الكريم ليقسم عليه، وبعد انتهاء القسم أراد عاملو المراسم بقصر باكنجهام إعادة المصحف إليه، فكان رده عام 2009: «احتفظوا به للشخص المسلم القادم»، واحتفظ القصر بالمصحف. لقد فاز «خان» بأصوات 57% من الناخبين لكي يكون أول عمدة مسلم لواحدة من أهم العواصم في العالم - إن لم تكن أهمها علي الإطلاق. لقد أعطت واحدة من أكثر عواصم الغرب تحرراً فكرياً ثقتها في «خان» المسلم لرسم مستقبلها. رغم تعاظم ظاهرة الإسلام فوبيا في العالم الغربي، فإن انتخاب «خان» في 5 مايو الماضي عمدة لندن ممثلاً لحزب العمال البريطاني نقطة مضيئة وومضة أمل في مستقبل أقل عنصرية وأكثر أماناً... يا دكتور/ علي... المسيحيون البيض الإنجليز أحفاد الإمبراطورية البريطانية سكان لندن الليبرالية انتخبوا مسلما من أصول باكستانية عمدة لمدينتهم... فبالله عليك اسمح بحرية الرأي لأعضاء برلمانك، ففي حرية الرأي والاختلاف في الآراء مزايا وفوائد عظيمة... يرحمنا ويرحمك الله... اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 19 مايو 2016

قل لي من هم مساعدوك... أخبرك من أنت وكيف تفكر!

جريدة الاخبار - 19/5/2016

نصف الطريق إلي النجاح والإصلاح يبدأ من اختيار فريق العمل الجيد والقوي



السياسة لا تعرف المستحيل، هذا يجب أن يكون شعار الانتخابات الرئاسية الأمريكية هذا العام. «بيرني ساندرز» يبلغ من العمر 74 عاماً، عضو بالكونجرس الأمريكي، يساري الفكر، لا يحظي بأي دعم من أي لوبي أمريكي، ليست لديه أية موارد مالية، نجح في منافسة «هيلاري كلينتون» بقوة علي ترشيح الحزب الديمقراطي، ربما لن يحظي بالترشح في النهاية حيث يحتاج أن يكسب 66% من أصوات الولايات المتبقية وهو أمر صعب عملياً وإن لم يكن مستحيلاً. وعلي الرغم من الصعوبة يري هو ومساعدوه ومؤيدوه أن يستمروا حتي النهاية، وليس الهدف فقط هو المكسب ولكن الهدف الأهم لهم هو أن يكونوا مؤثرين علي سياسات «هيلاري كلينتون» حال ترشحها للانتخابات الرئاسية. وقد نجحوا بالفعل في ذلك، إذ اضطرت «هيلاري» وعيناها علي مقعد الرئاسة أن تعدل وتغير من بعض سياساتها وتقبل بالعديد من الأمور التي يؤيدها «ساندرز» أملاً في الحصول علي أصوات مؤيديه حال فوزها عن الحزب الديمقراطي.

ومن أهم هذه الأفكار هو الحد الأدني للأجور، فقد ظل «بيرني ساندرز» يناضل طوال تاريخه السياسي لإقرار هذا الحق للعاملين في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يكن هذا الأمر علي أجندة «هيلاري كلينتون» الانتخابية، وها هي الآن تقر بتبنيها أن يكون الحد الأدني للأجور (12) دولاراً في الساعة لأي عامل في أمريكا. «بيرني ساندرز» تبني أيضاً سياسة راديكالية بالنسبة لنظام التعليم الأمريكي، فهو يريد زيادة حجم المنح وليس القروض التعليمية في الجامعات الأمريكية والسماح لمزيد من الشباب الأمريكيين للالتحاق بالجامعات وعدم إرهاقهم في بدايات حياتهم العملية بسداد القروض، ورغم رفض «هيلاري كلينتون» في البداية لتلك الأفكار رضخت في النهاية أملاً في كسب تأييد الشباب، فغالبية مؤيدي «بيرني ساندرز» - صاحب الأربعة وسبعين عاماً - تتراوح أعمارهم بين 18 عاماً و25 عاماً!! وأكبر عدد من المتبرعين لأي حملة رئاسية كان من نصيب «بيرني ساندرز»، ومتوسط مبلغ التبرع لا يزيد عن 25 دولاراً أمريكياً فقط.

الشباب يصنعون المعجزات، وليس شرطاً أن تكون زعيماً شاباً لكي تحظي بتأييد الشباب، ولكن يجب أن تكون مؤمناً بالشباب وأنهم المستقبل، فليس منطقياً في السياسة أن تسعي إلي بناء المستقبل ثم تستبعد أو تعادي كل من ينتمون إلي هذا المستقبل ويعدون جزءاً منه. سر نجاح حملة «ساندرز» هو الشباب، وإحساسهم بأن هناك من يفهمهم ويعبر عن طموحاتهم ومشاكلهم حتي ولو كان من جيل آخر.

الاستقرار السياسي والتنمية لا يمكن أن يتحققا بأفكار من الماضي وإدارة عجوز تخاصم المستقبل، في مصر أكثر من 50% من الشعب المصري ينتمون إلي الفئة العمرية أقل من 25 عاماً، ما معني هذا؟ معناه سياسياً أنك يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن هؤلاء هم غالبية الشعب، وأنه لا يمكن أن تنجح سياسياً إذا كانت سياسة الدولة معادية لهؤلاء... هناك اتجاه متزايد داخل التكتلات الشبابية للتخاصم مع الدولة والحكومة، يجب أن ننتبه لذلك جدياً، انظروا إلي الفئة العمرية من المتظاهرين القلائل في قضية «تيران وصنافير»، وانظروا إلي الفئة العمرية للمتظاهرين في أحداث نقابة الصحافيين، الغالبية الكاسحة لا تتجاوز أعمارهم 30 عاماً... المسألة تحتاج إلي إعادة نظر، لا يمكن لدولة أو حكومة تسعي إلي أن تكون رقماً صحيحاً في المستقبل أن تعادي هذا المستقبل!!

من الأمور اللافتة أيضاً في الانتخابات التمهيدية الأمريكية؛ ظاهرة «دونالد ترامب»، فمنذ شهور قليلة كان يُنْظَر إليه باعتباره فقاعة ستذهب بعيداً في أيام معدودات، ولكن بعد أقل من 7 شهور أصبح «ترامب» هو المرشح المفترض للحزب الجمهوري، واكتسح جميع منافسيه، وصار خصماً قوياً في مواجهة المرشح الديمقراطي، ولم تعد فرصه في كسب الانتخابات الأمريكية أمراً مستحيلاً، بل احتمالاً قوياً وارداً.

لغة «ترامب» عدائية ضد المسلمين، وضد المكسيك والصين، وأهان السياسيين الأمريكيين، وأوقع قادة الحزب الجمهوري في مأزق؛ ففي قناعاتهم السياسية أن «ترامب» ليس جديراً بأن يترشح باسم الحزب، في حين أنه يحظي بأغلبية الأصوات، وعليهم أن يتبعوا قرار الأغلبية، فهذه هي الديمقراطية.

بعيداً عن كل هذا، فإن متابعة تحركات «ترامب» السياسية وتطور أدائه يستحق التحليل السياسي الدقيق. ففي مرحلة الانتخابات التمهيدية لعب علي «خوف» قطاع كبير من الأمريكيين، وانتشار الإسلاموفوبيا، وداعش، وتهريب المخدرات إلي الولايات المتحدة، وانتشار الهجرة غير الشرعية، وانتشار الجرائم، وإغلاق المصانع وهروبها من أمريكا إلي المكسيك ودول أخري - مثل مصانع «جنرال إليكتريك». فهو استغل الخوف لدي قطاع كبير من الأمريكيين، ولعب علي هذا الوتر، وأدرك أن هناك قطاعاً كبيراً من الأمريكيين لا يريد المنطقة الرمادية، وإنما يريد زعيماً قادرا علي قهر هذا الخوف، وقد بدا لكثير من الأمريكيين أنه هو هذا الرجل القوي السلطوي، وهنا نشأت داخل السياسة الأمريكية حركة movement جديدة، ففي المراحل التي تحس الأمة فيها بخطر تبحث عن زعيم واضح وقوي، ولا تسعي إلي أصحاب الحلول الوسطية. وهذا الوضع يذكرنا بما حدث في الانتخابات الرئاسية المصرية عام (2012)، مصر كانت في مفترق طرق ومنقسمة علي نفسها، فذهبت الأصوات إلي «شفيق» ممثلاً للدولة المدنية العلمانية القوية، وإلي «مرسي» ممثل التيار الثيوقراطي السلفي الإخواني، وكل من حاول من المرشحين الآخرين أن يقف في منطقة وسط يداعب أطراف كل من المعسكرين لم ينجح، وهذا ما حدث علي وجه الخصوص مع السيد/ عمرو موسي والدكتور/ عبد المنعم أبو الفتوح. وهو ما تأكد مرة أخري بعد 30 يونيو، ووقفت الأغلبية وراء الرئيس/ السيسي لكونه المرشح القوي القادر علي الحفاظ علي كيان الدولة المصرية.

وعودة إلي «دونالد ترامب»، فبعد أن تأكد من نجاحه في الانتخابات التمهيدية، بدأت لغته وتحركاته السياسية تختلف، وبدا أكثر هدوءاً وميلاً نحو لبس ثوب رجل الدولة، فعينه صارت علي المقعد الرئاسي. ومن المتوقع أن يبدأ «ترامب» من الآن في طرح أسماء لمساعدين له في المستقبل حال أن يصبح رئيساً، فهو سيسعي - وهذا ما يبدو - أن يتخير مساعدين له ذوي مصداقية وخبرة سياسية وفنية، ووجوه مقبولة لدي جميع الأمريكيين. وللرئيس الأمريكي الأسبق «رونالد ريجان» مقولة شهيرة: «Personell is policy»، وهو ما يعني أن اختيار أعضاء الحكومة والمساعدين ينبئ عن سياسات الرئيس وتوجهاته. وعلي الرغم من أن «رونالد ريجان» شأنه شأن «ترامب» لم يكن أحد يتخيل أن يصير حاكماً لكاليفورنيا ومن بعدها رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، بل كان يسخر منه الجميع، وبعد أن صار رئيساً للولايات المتحدة يحتسبه التاريخ الأمريكي واحداً من أعظم رؤسائه، ففي عهده انتعش الاقتصاد الأمريكي، وانهار الاتحاد السوفيتي، وسقطت أوروبا الشرقية... نجاح «رونالد ريجان» يعود في المقام الأول لنجاحه في اختيار معاونيه وأعضاء حكومته فجميعهم كانوا أصحاب فكر ورؤية من الطراز الرفيع... وعلي العكس، فإن رئيساً مثل «نيكسون» لا شك أنه كانت له خبرات سياسية وقانونية وتنفيذية أرفع مقاماً وأكثر عمقاً من «رونالد ريجان»، ولكنه سقط بسبب سوء اختياره لمعاونيه، حتي أن نائبه كان قد تم القبض عليه في قضية فساد قبل شهور قليلة من سقوط الرئيس نفسه واستقالته نتيجة فضيحة «ووترجيت». فما يسعي إليه «ترامب» هو جذب مزيد من الأنصار من خلال ترشيح فريق عمل قوي من الآن يستطيع أن يجذب إلي تأييده قطاعا من الأمريكيين لم يفكر يوماً في التصويت لـ»ترامب»، فـ»ترامب» يحاول من خلال اختيار فريق جيد أن يقنع قطاعا من الأمريكيين أن ينسوا تصريحاته الشاذة، وينظروا إلي فريقه الجيد.

قل لي من هم أعضاء فريق عملك الدائم، ومن هم مستشاروك، أستطع أن أحكم عليك كيف تفكر، وما إذا كنت ستنجح أم لا، فنصف الطريق إلي النجاح والإصلاح يبدأ من اختيار فريق العمل الجيد والقوي. لن تستطيع وحدك يا عزيزي أن تنجح، بل تحتاج إلي فريق عمل قوي كفء مخلص. وليس بالضرورة كل من ينصح بذلك يصلح أن يكون في فريق العمل أو يسعي لأن يكون جزءاً منه، ولكنه لا شك يخلصك النصح. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 12 مايو 2016

التسويق السياسي للحكومة صفر

جريدة الاخبار - 12/5/2016

ولكن لا شك أن الداخلية والحكومة خسرت ظهيراً مهماً لها - من الناحية السياسية - وهو الصحافة


اليوم علي وجه التحديد قررت أن أكتب عن بعض الإيجابيات التي تجري داخل مصر... فلا يعقل ألا نري سوي السلبيات، ولا شك أنه مهما حسنت نوايانا وكانت لدينا رغبة قوية في تصحيح المسار إلا أن تكرار الحديث عن السلبيات يخلق مناخاً غير صحي ويفتت الهمة والعزيمة. وقلت لنفسي لا تترك روحك وعقلك فريسة لهذا المناخ السلبي في كل شيء، وقررت أن أنظر إلي إنجازات الحكومة علي أرض الواقع وأتحدث عنها. وأردت أن أحصل علي بعض المعلومات والأخبار الإيجابية، واكتشفت أنه لا يوجد أي أخبار إيجابية حقيقية تنقلها أجهزة الدولة إلي الإعلام، وأن الأجهزة الحكومية ذاتها إما تصدر أمنيات للمستقبل أو أخبارا سلبية أو معلومات مبتسرة، أو أخباراً مبالغا فيها أحياناً أو تستعجل النتائج الطيبة. كما أن الخطاب السياسي الحكومي في مجمله يكتفي بأن النقد غير حقيقي، والمحصلة مزيد من المناخ السلبي حولنا في كل شيء. ولقد فشلت أن أزف لحضراتكم اليوم أخباراً إيجابية ولكني لن أيأس، وأعدكم بتكرار المحاولة. فالتسويق السياسي للإنجازات الحكومية محصلته صفر، والتواصل والخطاب الحكومي علي المستوي الرئاسي وعلي مستوي مجلس الوزراء وأجهزة الدولة مع الإعلام والرأي العام ضعيف للغاية ويحتاج إلي تطوير في الأداء ومراجعة دقيقة. فالحصول علي الأخبار السيئة أسهل بكثير من الحصول علي أخبار إيجابية. البيانات الصحفية التي تصدر عن المتحدثين الرسميين للوزارات والجهات الحكومية تتسم بالرتابة وتكرار الخبر وجفاء اللغة وتخلو من الأخبار التي تستوجب الإعلان عنها، السياسة غائبة في كل شيء، والتسويق الإعلامي وأسس التخاطب والتواصل مع الرأي العام أكثر من ضعيفة. فعلي سبيل المثال إنتاج القمح تضاعف ولكن شراءه وتحصيله من الفلاحين، وعدم وجود صوامع كافية وشكاوي الفلاحين وغضبهم، كلها أخبار سلبية طغت علي زيادة الإنتاج.

ولنأخذ كذلك أزمة نقابة الصحفيين الأخيرة كمثال لسوء التسويق السياسي، وضعف التعامل الحكومي مع الأزمات. الذي حدث أقل ما يمكن أن نصفه أنه تم «أمنجة أزمة سياسية» كان يمكن حلها في ساعات معدودات بعيداً عن الحلول الأمنية. بدأت المشكلة حينما صدر قرار من النائب العام بالقبض علي الصحفيين المتهمين لنشرهما ما يستوجب المسئولية الجنائية حيث تضمن ما تم نشره عبارات فيها تحريض علي القتل إلي آخره... وتم تفتيش منازلهما ولم يتم العثور عليهما، وقد اختبآ في مقر نقابة الصحفيين من خلال زملاء لهما، ووفقاً للتحريات الأمنية ثبت لدي الأجهزة المكلفة بالقبض علي الصحفيين تواجدهما بمقر النقابة، وتم اتخاذ القرار باقتحام النقابة والقبض علي الصحفيين المختبئين. حتي هذه اللحظة الأمر برمته يتعلق بتنفيذ قرار النيابة، والقرار الأمني بالقبض علي متهمين. اقتحام مقر النقابة حدث جلل أياً ما كانت مبرراته، وإجراءات التفتيش فيها مخالفة إجرائية للمادة (70) من قانون الصحافة، والتي تستوجب حضور النقيب وحضور ممثل للنيابة حال تفتيش المبني. المهم أنه حدث ما حدث، وتم القبض علي الصحفيين بمقر النقابة، دون تنسيق مسبق مع النقيب. الأزمة في رأيي بعد واقعة القبض تحولت إلي «أزمة سياسية» تخص رئيس الحكومة وحكومته، ولم تعد أزمة أمنية «تخص وزير الداخلية أو الأمن الوطني وحده»، ولكن الذي حدث هو العكس تماماً، وتركنا للأجهزة الأمنية إدارة أزمة سياسية بعقلية أمنية. وتوارت الحكومة ورئيسها ووزير الثقافة -وهو صحفي أصلاً -عن المشهد تماماً، وصارت المعركة بين وزير الداخلية -يدعمه رئيس الحكومة في صمت -ونقابة الصحفيين، وأعد كل منهما عدته للقتال؛ فبيانات نارية من النقابة يقابلها جلب «مواطنين شرفاء» يسبون الصحفيين بالأتوبيسات من قبل جهات غير معلومة!! وتحرك لأعضاء مجلس النقابة وظهور في القنوات الفضائية يقابله اختيار قيادات أمنية سابقة من الداخلية للظهور المضاد والرد علي ممثلي النقابة، تصاعد واشتباك في برامج التوك شو من بعض مقدمي البرامج دفاعاً عن زملائهم يقابله اتصالات وتحركات من ضباط الأمن للحديث مع هؤلاء المذيعين تارة بالترغيب وأخري بالترهيب من استضافة عناصر بعينها، ويتطور الأمر فتستدعي النقابة رؤساء التحرير لاتخاذ موقف موحد، فيبدأ التحرك الأمني للتواصل مع بعض من هؤلاء بهدف التفتيت والتقسيم، وتنشأ حركة تصحيح المسار وتصوير الأمر علي أن هناك انقساما حادا داخل النقابة، ويبدأ نقيب الصحفيين في التحرك السياسي، فتواجهه بلاغات متعددة في انتظاره، ووعيد أمني بتقديمه للمحاكمة آجلاً أم عاجلاً... فيتزايد التحرك الأمني السياسي، ويزداد الحنق الصحفي علي الداخلية في وقت يحارب فيه أفراد الأمن الإرهاب بمفردهم، ويسقط منهم شهيد تلو الآخر دفاعاً عن الوطن... سوف تنتهي أزمة نقابة الصحفيين خلال أيام معدودات، ولكن الأثر السلبي لهذه الأزمة علي الحياة السياسية في مصر سيمتد إلي سنين، لن يقال وزير الداخلية أو يستقيل وطلب إقالته في رأيي كان مبالغة في التصعيد، ولن يقال مجلس نقابة الصحفيين أو يستقيل، وتشويه الصحفيين ومهنة الكلمة نجح!! 

ولكن لا شك أن الداخلية والحكومة خسرت ظهيراً مهماً لها -من الناحية السياسية -وهو الصحافة والإعلام نتيجة سوء إدارة قيادات الداخلية والحكومة للأزمة والإصرار علي تصعيد التصادم الأمني لا التصادم السياسي وشتان الفارق بين الأمرين، فالصراع السياسي -مهما كانت حدته - لا يترك شرخاً في النسيج الوطني ولا الاستقرار الاجتماعي، وذلك علي العكس تماماً بشأن المواجهات الأمنية -والتي لا تعتمد فقط علي العنف البدني بل امتدت إلي التخوين والتشويه والإيذاء النفسي وهو أكثر قسوة وقدرة علي تأجيج العنف السياسي... ربنا يلطف علينا وعليكم من السيديهات وتسريب المكالمات الخاصة!! أرجو من الحكومة ومن قيادات الداخلية إعادة النظر في هذه السياسات، فهي لن تنجح علي المدي المتوسط -وإن نجحت من وجهة نظرهم تكتيكياً علي المدي القصير. علي الحكومة أن تستعيد دورها السياسي، وأن تستعين بخبراء في عمليات التسويق السياسي، فتصدير وزارة الداخلية في كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في رأيي ظلم للضباط والعاملين في قطاع الأمن، وتفتيت لجهود الأجهزة الأمنية لمواجهة ما هو أهم وأخطر علي الوطن.

وبعيداً عن أزمة الصحفيين، فأنا عندي أمل كبير في عدد من وزراء المجموعة الاقتصادية في دفع مصر للأمام في الاتجاه الصحيح، فما زلنا -رغم أزمة الدولار -نحافظ علي معدل النمو للناتج المحلي بنسبة 4%، وهي نسبة -وفقاً للتقرير المنشور بمجلة الإيكونمست هذا الأسبوع لـ52 دولة -يعد هو الأعلي، تسبقنا فيه فقط الصين (6.5%) والهند (7.5%) وإندونيسيا (5.1%) وماليزيا (5.5%) والفلبين (6.1%). مصر قادرة علي رفع المعدل الاقتصادي خلال عامين إلي 7.5% كالهند، وهذا يعني قدرة مصر علي خلق 700 ألف فرصة عمل سنوياً، وخفض معدل البطالة من 13% -وهو المعدل الحالي -إلي أقل من 10% خلال 3 أعوام.

وتحمل المؤشرات الاقتصادية بصيصاً من الأمل حيث شهد ارتفاع الأسعار المجنون للسلع خلال الأيام القليلة الماضية انخفاضاً طفيفاً خلال هذا الشهر. ولكن تحمل المؤشرات الاقتصادية أيضاً أخباراً غير سارة، حيث انخفض الإنتاج الصناعي في مصر إلي أكثر من 12% وهو معدل مخيف، وفي رأيي يعود السبب الرئيسي في هذا إلي ارتفاع الدولار وعدم القدرة علي استيراد مستلزمات الإنتاج، إضافة إلي تزايد حالات التعثر المالي، وهو ما يقتضي تفعيل دور البنك المركزي لمواجهة حالات التعثر ودعم الصناعة في هذا التوقيت الصعب، كما صار ضرورياً تفعيل الصندوق المقترح إقامته لمواجهة حالات التعثر المالي وتعويم هذه المشروعات للحفاظ علي العمالة المصرية والصناعة المصرية، فحتي الأمور الاقتصادية ستستفيد من المعالجات السياسية الحكيمة، والتسويق السياسي الجيد حتي يدعم الشعب القرارات الصعبة إن احتجنا إليها. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك

الخميس، 5 مايو 2016

هيبتا: علاقة الشعب بالرئيس

جريدة الاخبار - 5/5/2016

هيبتا من أروع الأفلام المصرية التي شاهدتها مؤخراً، والفيلم مأخوذ عن قصة للكاتب محمد صادق. قصة ناعمة، إخراج رائع، تمثيل يفوق الخيال. فيلم يعطي الأمل في عودة القوة الناعمة للسينما المصرية. تغوص القصة، والتي قرأتها بعد مشاهدة الفيلم في تشريح العلاقات الإنسانية ومراحلها، ولماذا تنجح علاقات إنسانية وتفشل أخري.

من وحي قصة «هيبتا» سرحت في العلاقة الإنسانية بين الشعب ورئيسه، أي رئيس، وكيف أن هذه العلاقة شأنها شأن أي علاقة إنسانية تمر بمراحل صعود وهبوط، وهو ما يسمي باللغة السياسية «شعبية الرئيس». لا يمكن لأي رئيس في أي زمان أو مكان أن يحافظ علي شعبيته مرتفعة طوال الوقت، ولكنه يستطيع ذلك معظم الوقت إذا حافظ علي المسار وصححه حال الخطأ، ولم يعاند الواقع، ويفترض أنه الوحيد الذي علي حق والجميع علي خطأ. المطالعة المتأنية للتاريخ والحاضر تكاد تنطق بأن علاقة الشعوب بزعمائها ورؤسائها ينطبق عليها معايير نجاح وفشل أي علاقة إنسانية أخري.

فقد تمر علاقة الشعب برؤسائه خاصة أصحاب الكاريزما والزعامة منهم بمراحل ومشاعر متدرجة ومتناقضة أحياناً. والعلاقة الناجحة بين الشعب ورئيسه تمر بمراحل سبعة في غالب الأحوال:
(1) اللقاء: هذه هي المرحلة التي يتعرف فيها الشعب علي زعيمه المنتظر لأول مرة، وعادة ما تكون معلومات الشعب عن زعيمه في اللقاء الأول مبهمة وغامضة، ولكن تكون ممتلئة بالإعجاب بثقة الزعيم في شعبه ونفسه، وبمظهره القوي الغامض وصلابته جسداً وروحاً... وتنشأ عن هذا اللقاء حالة إعجاب ما تلبث أن تتطور إلي حب للزعيم، وأمل في أن يصير هو القائد المنتظر للأمة لكي يخرجها من كبوتها ويحقق طموحاتها.

(2) الانبهار: سرعان ما تتحول حالة الإعجاب إلي حالة انبهار لدي جموع الشعب بزعيمهم المنتظر، انبهار بقدرته علي القيادة، انبهار بقوة شخصيته الناعمة، انبهار بحبه لشعبه، انبهار بانحيازه للضعفاء وقدرته علي الوصول إليهم، وانبهار بتصالحه مع نفسه، انبهار بتحركاته التكتيكية المحسوبة والمفاجئة لأعداء الوطن، انبهار بطموحاته لشعبه، انبهار بقدرته علي الحسم ومواجهة المخاطر. هنا تكون شعبية الزعيم في أعلي القمة.

(3) الحلم: هنا يبدأ حلم الشعب، وتبدأ معه مرحلة الأمل، الأمل في تغيير الواقع غير السعيد، الأمل بأن يحول الزعيم أحلام شعبه إلي واقع جديد مشرق، الحلم بالقضاء علي الفساد، الحلم بالقضاء علي الفقر، الحلم بتكافؤ الفرص بين كافة أفراد الوطن، الحلم بالمساواة أمام القانون، الحلم بالحرية في التعبير عن الرأي والحق في الاختلاف دون خوف، الحلم بتعليم جيد لأبناء الطبقة دون المتوسطة، الحلم بالأمن، الحلم بالقضاء علي التجارة بالدين، الحلم بكوب مياه نظيفة، الحلم بالقضاء علي العشوائيات، الحلم بالعلاج الجيد، الحلم بالحصول علي الدواء، الحلم بصناعة وطنية قوية، الحلم بالكرامة، الحلم بدولة قوية تحافظ علي مصالحها الوطنية... أحلام كثيرة يشارك الزعيم شعبه فيها. ربما يدرك الزعيم أكثر من غالبية أبناء وطنه بأن تحقيق هذه الأحلام ليس يسيراً ولكنه يقتضي بذل العرق والدم ولكنه -أي الزعيم- عازم بكل ما أوتي من قوة علي تحقيق هذه الأحلام، والشعب بدوره حالم آمل في قدرة زعيمه علي تحويل هذه الأحلام إلي واقع في وقت قصير لا يتناسب مع حجم التحديات، ولا يوجد سقف لطموحات الشعب خلال هذه المرحلة.

(4) الوعد: هنا يعد الزعيم المخلص الممتن لشعبه بتحقيق أحلام أبناء وطنه، وهو صادق في وعده لم يخدعهم للحظة فهو حالم وآمل مثلهم، ولا ينقصه الإيمان ولا العزيمة، هو من الشعب ويشعر بنبضه وآلامه. تتعاظم شعبية الزعيم، وتسعي الغالبية لجعله رئيساً للبلاد. الإصلاح ممكن ولكنه طريق شاق وقد يستغرق وقتاً أطول مما يتوقعه الشعب، وشعبية الزعيم في مرحلة الوعد لا تتزعزع، فحسن النوايا يحكم الجميع. وينتخب الشعب زعيمه رئيساً للبلاد ليحقق لهم طموحاتهم وأحلامهم وليقضي علي طيور الظلام، وتكون الانتخابات حقيقية غير هزلية، ويكون الشعب في هذه المرحلة علي قلب رجل واحد خلف رئيسهم الجديد، ويبدو المستقبل مشرقاً والانقسام غير ممكن. وتصعد شعبية الرئيس إلي السماء.

(5) الواقع: رغم أن الرئيس يدرك منذ اللحظة الأولي لانتخابه صعوبة الموقف وخطورته إلا أن الواقع علي الأرض يبدو أسوأ بكثير مما كان يأمل أو يتصور، فمؤسسات الدولة ذراعه في تحقيق أحلام وطموحات شعبه، منهارة لا تقوي علي فعل شيء، فلها شكل مؤسسات الدولة في كل شيء، إلا أنها تفتقر المقومات الحقيقية لمؤسسات الدولة في كل شيء. موارد سيادية محدودة، كفاءات إدارية معدومة، انقسام سياسي غير مسبوق، أحزاب سياسية منزوعة التأثير الشعبي ولاتزال تتخبط طريقها، جهاز إعلامي حكومي يمثل عبئاً علي الدولة وليس داعماً لها، بنية أساسية بدأت في التآكل، قوي سياسية داخلية وخارجية متربصة، قصور في الإنتاج، عجز في الاستثمار، فساد يستفحل ولا يرحم، افتئات متزايد علي القانون، إدارة سيئة للمنظومة الاقتصادية، ارتفاع في الأسعار، بطالة متزايدة، وشعب حالم آمل. ماذا يفعل الرئيس؟ الرئيس يعلم بالمشكلات، وضرورة التدخل العاجل... ليس لديه وقت يضيعه أو يستنزفه ليواجه أجهزة الدولة المدنية العتيقة، فيلجأ لجيشه في كل شيء لسد الفجوة. ورغم المجهود الجبار والإنجازات السريعة إلا أن ظاهرة الجزر الحكومية المنعزلة تتزايد، وحالة الجهاز الحكومي تسوء، ولا يجد الرئيس الوقت، ولا تعاونه أجهزة الدولة للبحث عن كفاءات تعينه من أهل الخبرة من الحريصين علي الرئيس أكثر من حرصهم علي عدم إغضاب الرئيس، فتسود حالة من الهمهمة وضعف الأمل في تغيير ما كان عليه حال البلاد قبل الرئيس.

(6) القلق والإحباط: يبدأ في هذه المرحلة كرد فعل للواقع الصعب ووجود بعض الأخطاء ارتفاع أصوات بعض المؤيدين المخلصين بوجود مشكلات وسوء إدارة للملفات، فيتم تهميشهم بدعوي أنهم أصوات للإحباط، أو أنهم لم يحصلوا علي ما كانوا يصبون إليه فتحولوا إلي المعارضة، ومعاول للهدم، فيبدأ هؤلاء تدريجياً في الانسحاب، ورغم تقدير الرئيس وتفهمه لبعض وجهات النظر هذه إلا أنه ليس لديه الوقت لإعادة النظر في السياسات القائمة، ولا يخفي أحياناً غضبه مما تسير عليه الأمور، ويسود قطاع كبير من الشباب حالة من الإحباط، ومعه قطاع من الشعب. ولا شك أن شعبية الرئيس تتأثر قليلاً في هذه المرحلة، إلا أن الأغلبية لم تتخل عن الرئيس بل لاتزال تدعمه وتؤيده ويدرك الجميع أنه لا بديل عن النجاح وتحقيق طموحات وأحلام الشعب وتنفيذ الوعد. ويأمل قطاع كبير من أبناء الوطن أن يدرك الرئيس أنه آن الأوان للتقييم الهادئ لإدارة البلاد والاعتراف بوجود بعض الأخطاء حتي داخل المؤسسة الرئاسية ذاتها.

(7) القرار وقيام الرئيس بتصحيح المسار: يدرك الرئيس المشكلات، ويتحرك بسرعة لتصحيح المسار، فالتحديات تزايدت واصطياد الأخطار تعاظم، والإحباط خطر جسيم، فالإحباط يقتل أمل الشعوب. فكان لابد من إعادة النظر فيما يجب إنجازه، وضرورة تصحيح الأخطاء، ويواجه الرئيس شعبه بالأخطاء قبل الإنجازات، وبما قرر اتخاذه من خطوات لتصحيح المسار فهو لايزال علي وعده، ويبدأ الرئيس في اتخاذ قرارات جريئة لتصحيح المسار الإداري لشئون الدولة، وملفاتها السياسية والاقتصادية، وتتحقق المعجزة وينفذ الرئيس الوعد الذي قطعه علي نفسه بنهاية مدة رئاسته الأولي. وتعود شعبية الرئيس لترتفع إلي عنان السماء.

يذكر التاريخ دائماً أن الزعماء والرؤساء المخلدين في ذاكرة أممهم هم هؤلاء الذين اعترفوا بالأخطاء وواجهوها وهم في قلب المعركة، ولم يعاندوا الواقع بل غيروا من سياساتهم ونهج إدارتهم، فالتاريخ سيذكر ذلك لـ «تيودور روزفلت «و» ونستون تشرشل»، ومن الزعماء العرب الملك «محمد السادس» ملك المغرب، ومهاتير محمد في ماليزيا.

تصحيح المسار صعب ولكنه ليس مستحيلاً، وتصحيح المسار السياسي والاقتصادي والإداري ضرورة لتحقيق الحلم، وقهر صعوبات الواقع...

الأمر الآن برمته بيد الرئيس السيسي، فلايزال تحقيق الوعد ممكناً، ولكن آن الأوان لتصحيح المسار. اللينك

استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك