الخميس، 28 مايو 2015

مولد «الحاجة» ضريبة البورصة


جريدة الاخبار - 28/5/2015

تعود جذور الحكاية إلي سنوات عديدة عندما أعفي قانون الضرائب الصادر سنة 2005، ومن قبله قانون 157 لسنة 1981 الأرباح الناشئة عن التداول بالبورصة من ضريبة الأرباح الرأسماليةوالإعفاء لم يقتصر علي الأرباح الناشئة عن عمليات الشراء والبيع بالبورصة؛ بل امتد ليشمل أية توزيعات أرباح للمساهمين.

والسؤال: لماذا قرر المشرع المصري إعفاء أرباح البورصة من الضريبة؟ والإجابة أن هذه الإعفاءات جاءت بهدف تشجيع التعامل بالبورصة وتنميتها.

فالبورصة وسيلة من وسائل الاستثمار المباشر وخاصة بالنسبة لتأسيس الشركات وزيادة رؤوس الأموال، وهو ما يعرف باسم سوق الإصدار، أي إصدار أوراق مالية جديدة. كما أن الأصل في البورصة أنها ترفع من درجة الإفصاح، وقواعد الحوكمة علي نحو يحمي مصالح المساهمين، كما أنها تمثل الطريق الطبيعي نحو توسيع قاعدة الملكية في شركات قطاع الأعمال العام.

وهذه الإعفاءات بطبيعتها استثناء علي الأصل، ومؤقتة بحيث أنها تدعم من إنشاء البورصة الصاعدة لفترة قد تصل إلي عشرة أو عشرين عاماً، ولكن العدالة الاجتماعية وحسن إدارة موارد الدولة يقضي -بعد استقرار الأوضاع الاقتصادية ونمو البورصة- أن تخضع أرباح التداول والتوزيعات النقدية للضريبة، وهذا ما تأخذ به الآن معظم تشريعات العالم المعاصر. إذاً فرض ضريبة علي أرباح البورصة أمر طبيعي وتأخذ به معظم تشريعات العالم.

إذا كان ذلك كذلك فلماذا قامت الدنيا ولم تقعد حتي تم إرجاء تطبيق الضريبة؟ لا شك أن هناك أصحاب مصالح لم يكونوا سعداء بإخضاع أرباحهم لضريبة، ولكن كانت هناك اعتراضات أيضاً ارتبطت بالمصلحة العامةوقد كنت أنا شخصياً من المعترضين، وكان اعتراضي ليس علي مبدأ فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية علي تداول الأسهم، فهي ضريبة عادلة وضرورية في رأيي، ولكني اعترضت علي وقت التطبيق وطريقته. وكنت أري،ولاأزال أن المشكلة عند صانع القرار للسياسات الضريبية في مصر؛ هو أنه يركز فقط علي الحصيلة دونالنظر لآثار سياساته علي التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وقلت منذ البداية أن توقيت فرض الضريبة يضر بنمو البورصة، وبمناخ الاستثمار في مصر، لأن حجم البورصة المصرية -وقت فرض الضريبة- كان في أضعف حالاته، وكان من شأن فرض الضريبة الحد من سيولة البورصة. أيضاً من أسباب اعتراضاتي أن هناك صعوبة في تطبيق عملية احتساب الأرباح وتحصيلها، وأن هذه المسألة تحتاج إلي بنية أساسية غير متوفرة الآن لدي مصر للمقاصة، ولا لدي مصلحة الضرائب. ومن ثم وجب تهيئة البنية الأساسية والمعايير اللازمة لتطبيق الضريبة بكفاءة، وحتي لا تكون المسألة محلاً للفوضي والتقديرات الجزافية، وهو ما يؤثر سلباً علي مناخ الاستثمار.

أيضاً من أسباب الاعتراض علي توقيت فرض الضريبة هو أزمة الدولار، فالمستثمر الأجنبي بالبورصة عادة مستثمر قصير الأجل، وتعد ميزة البورصة بالنسبة إليه هي حرية الدخول والخروج من سوق التداول في أي لحظة. ومع أزمة الدولار أصبح المستثمر الأجنبي أو العربي في البورصة ينتظر في الطابور لفترة طويلة حتي يتمكن من تحصيل الدولار بعد بيع أسهمه، ومن ثم فقدت البورصة المصرية إحدي مزايا البورصات الأخري، وبالتالي فإن فرض ضرائب يقلل من الاستثمار في البورصة المصرية. وقلت أيضاً قبل إصدار هذه الضريبة أن الأسواق المنافسة لنا في معظمها -سواء في الخليج أو في شرق آسيا- لا تفرض حالياً هذه الضريبة.

وطرحنا بدائل مختلفة علي الحكومة قبل إصدار القانون الجديد، أهمها أن تصدر الضريبة علي أرباح التداول بسعر (صفر)، وهو ما يعني إقرار مبدأ الضريبة مع ترك التوقيت المناسب في التطبيق وتحديد السعر وفقاً للظروف الاقتصادية، أو إقرار الضريبة بسعر 10% كما هو مقترح علي أن يبدأ التطبيق بعد عامين، وهو ما يعطي مصلحة الضرائب فرصة لتحضير البنية الأساسية، وتطبيق الضريبة دون فوضي. وفي   الحالتين، اقترحنا أن ترفع رسوم التداول المستحقة علي التداول بالبورصة من واحد في الألف إلي اثنين في الألف، ويمكن تحصيل هذه الرسوم يومياً وتوريدها إلي الخزانة العامة دون أي تأخير، وحصيلتها تزيد عن الحصيلة المتوقعة من ضريبة أرباح التداول، وهو حل مؤقت في جميع الأحوال حتي نحقق المعادلة المطلوبة من زيادة حصيلة الموارد العامة وعدم المساس بالنمو الاقتصادي والقدرة التنافسية للبورصة المصرية.

وللأسف ركبت الحكومة رأسها، وأصرت علي إصدار القانون، وبان من التطبيق صعوبة تحصيل الضريبة وتعطل اللائحة التنفيذية لمدة ستة أشهر، والخلاصة مشهد مرتبك انتهي بإعلان رئيس الحكومة تراجع الحكومة عن تطبيق الضريبة لمدة عامين، ولم يصدر القانون المنظم لتأجيل الضريبة حتي الآن. وبالمناسبة الدولة حصلت تحت حساب هذه الضريبة 6% من الأجانب، وسيترتب علي تأجيل الضريبة لمدة عامين التزام الحكومة برد هذه المبالغ للصناديق الأجنبية، وأرجو ألا تركب وزارة المالية رأسها وتقرر عدم رد هذه المبالغ مرة أخري إلي أصحابها، فالضريبة لا تستحق إلا بنهاية السنة المالية، يعني نهاية 2015، وما تم تحصيله كان لحساب الضريبة، وليس الضريبة النهائية... أرجوكم مش ناقصين نظهر بمظهر سيء تاني، ونرجع نشتكي من قلة تدفقات الاستثمار... فالمشاكل من صنع أيدينا!! اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 21 مايو 2015

لسه فيه أمل في إصلاح الشركات المملوكة للدولة

جريدة الاخبار - 21/5/2015


1- قطاع الحديد والصلب، والغزل:

يبلغ عدد الشركات القابضة 8 شركات، يتبعها 125 شركة تابعة في قطاعات التأمين والسياحة والكيماويات والتشييد والصناعات المعدنية والنقل والأدوية والغزل. هذه هي شركات قطاع الأعمال العام. وقريباً سينضم إلي هذه الشركات حوالي 8 شركات أخري نتيجة الأحكام القضائية ببطلان عقود بيع عدد من الشركات التابعة. ولا يدخل في هذا العدد شركات القطاع العام، وهي التي لا تخضع لتبعية وزارة الاستثمار بل تتبع وزارات أخري، كما هو الحال بالنسبة لشركات الطيران والملاحة الجوية والتي تتبع وزارة الطيران، وشركات البترول؛ والتي تتبع وزارة البترول، وشركات الكهرباء إنتاجاً وتوزيعاً ونقلاً وتتبع وزارة الكهرباء، وشركة المقاولون العرب التي تتبع وزارة الإسكان... وهناك شركات تابعة لوزارة التموين، وأخري لوزارة الزراعة، وهكذا...

والجميع يعلم مشكلات شركات قطاع الأعمال العام، وخاصة تلك المتعلقة بالشركات الصناعية، وأهمها شركة الحديد والصلب، وشركات الغزل. وهذه الشركات وعاملوها والشعب كانوا جميعاً ضحية سوء الإدارة.
فأزمة هذه الشركات ترجع بجذورها إلي نهاية الستينات، وتفاقمت أزمتها في منتصف الثمانينات، وكانت الضربة القاضية قد وجهت إليها في أول التسعينات من القرن الماضي. فهذه الشركات جميعها عانت من آلات ومعدات تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة علي المنافسة في العصر الحديث. فالدولة قررت عدم تطويرها علي سند من أنها في سبيلها لخصخصتها، فتوقفت تماماً عمليات التحديث والصيانة بالمعني الدقيق، فتحولت كثير من هذه المصانع إلي كُهنَة، وصار تحديثها يحتاج إلي مليارات، فلم يتم لا تحديثها ولا صيانتها حتي، والمحصلة خسائر بالمليارات.. وتضاعفت مشكلات العمالة وتضخم عددهم بالنسبة لحجم الإنتاج. وأخطأت الدولة بتوقفها عن الاستثمار البشري، فما ينفق علي التدريب في 125 شركة من شركات قطاع الأعمال العام يقل عما يصرف علي التدريب والتأهيل في شركة واحدة من الشركات المنافسة من القطاع الخاص!!. ويضاف إلي كل ما سبق سوء حالة الإدارة وتدهورها جيلاً بعد جيل، وقد نجح وزير الاستثمار الأسبق د. محمود محيي الدين في حل مشكلة مديونية قطاع الأعمال للبنوك بشكل كبير عام 2005، بالتنسيق مع البنك المركزي ووزارة المالية. وذلك من خلال التصرف في بعض الأصول العقارية غير المنتجة، وإعادة الجدولة... إلي آخره، ولكن للأسف لم يصاحب ذلك إعادة هيكلة وتطوير لقطاعي الغزل والحديد والصلب؛ فعاد التدهور، وظل الأمر علي ما هو عليه سوء في الإدارة، وتدهور في حالات المعدات والآلات، وتضخم العمالة ومشاكلها، والمحصلة نزيف من الخسائر. وكان الله في عون وزير الاستثمار الحالي المجتهد الوزير أشرف سالمان.. إذاً ما هو الحل؟ وهل يوجد فعلاً حلول وأمل للخروج من هذه الدائرة المغلقة؟ نعم توجد حلول، ونعم يوجد أمل. ولكن الحلول تقتضي قرارات صعبة ومواجهة وحسما لمشكلات تراكمت منذ أكثر من خمسين عاماً!! استمرار إدارة قطاع الأعمال العام بآليات قانون 203 لسنة 1991 لن يحمل معه سوي المزيد من الفشل وخيبة الأمل. لابد من تحرير الإدارة من قيود القطاع العام، لابد من السماح بحلول جذرية بما فيها التقسيم لبعض هذه الشركات، ودمج البعض الآخر، وتصفية البعض، وضخ رءوس أموال جديدة في بعض الشركات، وتطبيق الهندسة المالية بحيث يتم توفير رءوس أموال لبعض هذه الشركات من خلال بيع أصولها العقارية غير المنتجة واستخدامها في زيادة رءوس أموالها، وإعادة التدريب والتأهيل للعاملين، وضخ دماء جديدة في الإدارة تنتمي للعصر الحديث، وقادرة علي المنافسة. بعض أصول هذه الشركات العقارية يتجاوز عشرات المليارات، إعادة ضخها كرءوس أموال عاملة وفقاً لخطة عمل استثمارية واضحة أمر ممكن. هناك عشرات الحلول المتاحة، ولكن يجب أن نبدأ. والآن نحن نتكلم ونكرر ذات الكلام منذ عشرات السنين. ما نعانيه الآن كان موجوداً في ماليزيا وإندونيسيا والبرازيل، ولكنهم توقفوا عن الكلام وبدأوا في الإصلاح في ذات الوقت الذي أصدرنا فيه قانون 203 لسنة 1991 بشأن قطاع الأعمال العام، فنصبنا لأنفسنا فخاً لم نخرج منه بعد!! فلنبدأ بتقييم ما لدينا من أصول ومن مزايا نسبية، ولنضع خطة التطوير، والتمويل والتدريب، ولنحرر الإدارة من القيود الروتينية، ونحطم قيود قانون 203 ونتوقف عن توزيع أرباح تصرف من اللحم الحي علي مشروعات خاسرة، وعلينا أن نبدأ في إنشاء صندوق للتطوير وإدارة المشروعات العامة وفقاً لأصول الإدارة الحديثة، كما هو الحال في نظام «خزانة» الماليزي. فلنوقف نزيف الخسارة، ولنتخلص من الأصول غير المنتجة... أقسم بالله التطور ممكن وفي أقل من 3 سنوات.

2- تطوير مركز شباب نادي الجزيرة والعدالة الاجتماعية:

أحد أهم مظاهر العدالة الاجتماعية هو المساواة بين أبناء المجتمع في الحصول علي هواء نظيف، وممارسة الرياضة، والمحافظة علي الصحة العامة. فالجميع له الحق في التعلم، والحصول علي فرصة في التنزه، ومنح أبنائه فرصة في بناء جسم سليم وعقل سليم. وتطوير مركز شباب الجزيرة بهذا الشكل الحضاري خطوة مهمة نحو تطبيق العدالة الاجتماعية، فأبناء مركز شباب الجزيرة من أحياء السيدة زينب وإمبابة والكيت كات وبولاق ووراق العرب، صاروا يتمتعون بذات الخدمات التي يتمتع بها أعضاء النادي الأهلي ونادي الجزيرة الملاصقون لهم. هذا هو مفهوم العدالة الاجتماعية، هو المساواة في حد أدني من الحقوق - ومنها ممارسة الرياضة والحق في التعلم - والحق في تكافؤ الفرص، والحق في خدمة صحية، وبعد ذلك فليتنافس المتنافسون. أرجو أن تضع وزارة الشباب خطة مماثلة للتطوير في جميع المحافظات، وهذه البداية صحيحة جداً نحو تحقيق العدالة الاجتماعية، أتمني أن تكون في إطار خطة متكاملة.

3- تعديل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة؟

المهندس/ إبراهيم محلب، سؤال بسيط، أين تعديل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة؟ لماذا كل هذا التأخير؟ وهل هناك فعلاً لأحد مصلحة في تعطيل مشروع تنمية منطقة قناة السويس؟ لماذا المساس بمصداقية الدولة والحكومة؟ وأين قراركم بإنشاء الهيئة الجديدة لتنمية منطقة قناة السويس؟ ولماذا لم تعلن الحكومة حتي الآن عن خطة التطوير الذي أعدتها دار الهندسة؟... ولماذا تم إلغاء المزايا الضريبية رغم ان المزايا الضريبية تطبق علي المناطق الصناعية الخاصة في روسيا (13%) وتركيا (15%) وماليزيا (10%) وكوريا الجنوبية (10%) وإندونيسيا (10%) والعقبة في الأردن (5%). ولماذا نسينا أن نضيف مزايا غير ضريبية بدلاً من المزايا الضريبية المحذوفة؟ كيف سنحدث انطلاقة دون تحديد الولاية علي تراخيص الأرضي، وتحديد الجهة التي تمثل الدولة في التعاقد، ودون تحديد النظام القانوني الذي يسري علي الشركات التي تباشر نشاطها، وهل يمكن أن نشجع الاستثمار في منطقة قناة السويس ونفرض في ذات الوقت قيودا علي ملكية رأس مال الشركات الأجنبية بحيث لا تزيد ملكيتها عن 45%... هل نتوقع بعد ذلك النجاح في هذا الأمر؟ اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 14 مايو 2015

وزارة العدل !!

جريدة الاخبار - 14/5/2015

انتهي مولد تصريحات المستشار/ محفوظ صابر، وزير العدل السابق، بتقديمه استقالته من منصبه. ولا شك أن الوزير قد أخطأ سياسياً بتصريحاته غير السديدة، فالوزير هنا ـ أي وزير ـ لا يعبّر عن رأيه الشخصي، وإنما يعبّر عن السياسة الحكومية وسياسة الدولة ورؤيتها. وحينما تتضمن تصريحات الوزير إقراراً لسياسات تخلّ بمبدأ المساواة، وتمسّ بتكافؤ الفرص بين المواطنين، وتحقّر من شأن فئة من العاملين بسبب وظائفهم - وهي كلها سياسات تخالف النصوص الدستورية - فهنا يكون الوزير بتصريحاته قد خالف الدستور، وهو وزير العدل، ومن ثَمّ يكون قد ارتكب خطأً سياسياً جسيماً يستوجب استقالته، وهو ما حدث.

ولعله من اللافت للانتباه أن مسألة تعيين معاوني النيابة هي من صميم اختصاص المجلس الأعلي للقضاء وحده دون غيره، وأنه لا علاقة لوزارة العدل أساساً بهذه المسألة، ولا يجوز لها التدخل فيها، وإلا عُدَّ ذلك تدخلاً في شئون القضاء ومساساً باستقلاليته طبقاً للدستور. ومعني هذا أن وزير العدل السابق تصدي لمسألة لا تدخل أصلاً في اختصاصات وزارته.

وبعد أن استقال وزير العدل نتيجة تصديه لمسألة لا يختص بها ديوان وزارته، ولإقراره سياسات تخالف الدستور ومبادئ العدالة والمساواة، يثور تساؤل: هل ما قاله الوزير المستقيل يعكس الواقع أم يخالفه؟ إن ما قاله وزير العدل السابق هو ترديد لواقع وقناعات موجودة، وتطبق منذ عقود عديدة، ولم تتغير ولن تتغير في يوم وليلة لأنها تعكس مفاهيم اجتماعية سائدة داخل المجتمع المصري منها أن الفقير غير سوي نفسياً. وما قاله رئيس الوزراء عن رفضه لما قاله وزير عدله السابق هو تصريح سياسي سليم لتهدئة الوضع، ولكنه لا يعكس الواقع. وهذا أمر غير مسئول عنه رئيس الوزراء، ولا يستطيع تغييره في يوم وليلة. وما قاله وزير العدل يطبق في العديد من الوظائف، فهو ذات الأمر في مجلس الدولة، والشرطة، والنيابة الإدارية، والخارجية، والملحقين التجاريين في وزارة التجارة والصناعة... إلخ. والجريمة واحدة وهي أن المتقدم للوظيفة: (غير لائق اجتماعياً).

يجب أن نذهب لما هو أعمق من ذلك، ونسأل أنفسنا: لماذا لا تثار هذه الأمور في مجتمعات أخري كما هو الحال في المجتمعات الغربية بل والعديد من المجتمعات العربية؟ السبب هو انعدام العدالة الاجتماعية، وزيادة الفوارق الطبقية داخل المجتمع المصري. فمؤدي العدالة الاجتماعية - وهذا هو الدور الحقيقي للدولة - أن يكون هناك حد أدني معيشي وثقافي يشارك فيه الجميع، الفقراء والأغنياء، أن يكون هناك تناغم نفسي وثقافي بين الجميع، أن تكون هناك مشاركة في ذات نوعية الخدمات. فالفوارق المادية يجب ألا تخلق فوارق طبقية ونفسية في كل شيء. فلو أن لدينا تعليما حكوميا محترما؛ ما كنا لنجابه الآن بسيل المدارس الخاصة، وبتعدد الثقافات داخل المجتمع. لوأن لدينا تعليما جيدا لكان الكل يعلم ويقدّر قيمة العمل أياً كانت طبيعته. لو كان لدينا تعليم حكومي محترم لشارك الجميع ذات القيم الاجتماعية والثقافية، وما انعكس ذلك علي التقييم الاجتماعي.


لو أن لدينا خدمات عامة آدمية ومواصلات عامة محترمة لكان الجميع يشارك ذات الخدمات وتعودوا علي بعضهم البعض، كما يحدث في الخارج، ولكان لدي الجميع قدر من السلام الاجتماعي وقبول الآخر. لو كنا جادين في القضاء علي الأمية - بدلاً من الشعارات - لكنّا قضينا علي الفقر المدقع والجهل، وقللنا من الفوارق الطبقية بحق وحقيقي، فالجهل والفقر المدقع وجهان لعملة واحدة. لو كان فيه حد أدني للدخل وللخدمات ما كانت النظرة الدنيا للعديد من الوظائف في المجتمع، فبعض الوظائف ينظر إليها المجتمع علي أنها (شحاته).

أخطر ما نواجهه الآن هو أننا لم نعد نشارك بعضنا البعض ذات القيم الاجتماعية والثقافية والدينية، والسبب هو التعليم. كان أحد أساتذتي في المملكة المتحدة، من أكبر أساتذة القانون والمحامين، وصار قاضياً مرموقاً بعد ذلك، وكانت له ابنة تعمل معاونة لرئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، وكان شديد السعادة والفخر وهو يتحدث عن ابنه ـ وليس ابنته - الذي قرر أن يصبح «طباخاً». وكان يشجعه علي أن ينجح في ذلك. لم تتبرأ منه العائلة أو تلفظه، ولم ترفت الحكومة أباه القاضي. يوم أن نصل إلي هذا   ولن نصل إليه إلا بإصلاح التعليم ومؤسسات الدولة - لن تكون لدينا مشكلة، ولا جريمة غير لائق اجتماعياً... وللأسف لست مطْمئناً أننا جادون في تحقيق السلام والأمن الاجتماعي بشكل جاد. هذا طريق طويل يحتاج إلي سنوات عديدة لم نبدأ فيه بعد.

بالمناسبة، كلمة إلي السيد رئيس مجلس الوزراء، ووزير العدل الجديد؛ وزارة العدل تحتاج إلي إعادة هيكلة، وإلي تطوير حقيقي لمؤسساتها التابعة لها. إدارة شئون المحاكم من الناحية الإدارية تحتاج لثورة حقيقية، وتحتاج إلي الاستعانة بفنيين ومهنيين متخصصين في الإدارة وصيانة المباني وتطويرها. العمل الأرشيفي والإلكتروني يحتاج إلي نقلة نوعية. مراكز تدريب القضاة ودعمهم بالمكتبات والمراجع الدورية بشكل إلكتروني يحتاج إلي ثورة إدارية حقيقية. لا يمكن استمرار عمل «الخبراء» بهذه الطريقة العقيمة والتقليدية، ففي ذلك مساس حقيقي بسلامة مرفق القضاء. لا أفهم لماذا تظل تبعية الشهر العقاري لوزارة العدل، تطوير الشهر العقاري نوعياً سينقل مصر معه إلي القرن الواحد والعشرين. هل وزير العدل في حاجة إلي أكثر من 20 مساعداً لوزير العدل؟ هل من المقبول أن تستمر إدارة الكسب غير المشروع تحت مظلة وزارة العدل، أم آن الأوان لكي تخضع للمجلس الأعلي للقضاء؟ فك الاشتباك بين إدارة التشريع ووزارة العدالة الانتقالية يصب في مصلحة التشريع في مصر، هناك قرارات كثيرة يتعين علي وزير العدل الجديد أن يتخذها... الله معه اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 7 مايو 2015

الإصلاح المؤسسي للحكومة يبدأ من مكتب رئيس الوزراء

جريدة الاخبار - 7/5/2015

حكومة المهندس إبراهيم محلب الأولي في مارس 2014، شهدت تخفيضاً لعدد الوزارات حيث قل عدد المقاعد الوزارية من 37 وزيراً إلي 31 وزيراً، وذلك من خلال دمج 12 وزارة. ولكن التعديل الوزاري الأخير ـ والذي قبله ـ عاد بالمقاعد الوزارية إلي (39) وزيراً. نعم يوجد 39 وزيراً، بعض الوزارات المستحدثة ليس لديها تكليفات واضحة، أو ميزانيات معتمدة، أو هيكل إداري وتنظيمي.

إن زيادة عدد الوزراء في هذه المرحلة، والأخطر زيادة عدد الهيئات والأجهزة التابعة لها في رأيي من أكثر دعائم البيروقراطية، ومن الأمور التي تعمل علي تكتيف الحكومة والوزراء. إن زيادة العدد في هذه المرحلة بهذا الشكل يعمق من مشكلات تعارض المصالح بين الوزارات المختلفة، كما يجعل اتخاذ القرار وتنفيذه من المهام العسيرة. فهناك تداخل بين اختصاصات وزارة العدل ووزارة العدالة الانتقالية، وهناك تداخل بين اختصاصات وزارة الاستثمار ووزارتي التجارة والصناعة والمالية، والتخطيط والموازنة، والإسكان والتنمية المحلية، والثقافة والآثار والسياحة... إلخ.

ولعل غياب مكتب تنفيذي في ظل الإطار التنظيمي لرئيس الحكومة علي مدار العقود السابقة يكون معنياً بالتنسيق العرضي بين الوزارات المختلفة، والتنسيق الرأسي لضمان ومتابعة تنفيذ القرارات الحكومية، والأهم إعداد السياسات وتحديد الأولويات الحكومية وإدارة الأزمات؛ غياب مثل هذا المكتب التنفيذي من اللوغاريتمات التي لا أستطيع فهمها أو استيعابها.. أيضاً غياب مجموعات وزارية دائمة بمهام محددة، يكون علي رأس كل منها وزير متخصص أمر غير مفهوم. فإلي جانب المجموعة الاقتصادية، يجب أن يكون هناك مجموعة للتنمية البشرية والاجتماعية، ومجموعة ثالثة للأمن الوطني والشئون السياسية، ومجموعة رابعة معنية بالخدمات العامة والمرافق.

في رأيي، فإنه في المستقبل القريب جداً يجب إعادة النظر في عدد الوزراء، والهيئات التابعة للوزارات المختلفة. يجب تخفيض عدد الوزراء من (39) إلي (22) وزيراً، وأن يكون ذلك منهاجاً خلال السنوات الثلاث المتبقية في فترة حكم الرئيس السيسي الأولي. إن تقليل العدد من شأنه تسهيل مهام اجتماعات الحكومة، وتسهيل اتخاذ القرارات، وتيسير التنفيذ والتنسيق بين الحكومات والهيئات المختلفة، وخفض النفقات العامة، وتعميق قواعد المسئولية والمحاسبة. ولكن ذلك يجب أن يكون مصحوباً بتحديد دقيق لاختصاصات كل وزارة ومهامها وتكليفاتها، والأولويات المحددة لها. ويجب أن يكون من مهام كل وزارة الإصلاح المؤسسي داخل ديوان الوزارة والهيئات والأجهزة التابعة لها. وإعادة النظر في الهياكل التنظيمية والإدارية العتيقة داخل هذه الأجهزة.

من الأولويات التي يجب أن ينظر إليها رئيس الحكومة  العمل علي إعادة إحياء وتطوير مركز معلومات مجلس الوزراء، فهذا المركز كان الهدف منه أن يكون بمثابة مركز العقل ورسم السياسات الحكومية وذراعها للتنسيق والمتابعة بين الوزارات، إلا أنه أصابه مرض الإهمال وتحول إلي عبء بدلاً من أن يكون مركزاً لدعم اتخاذ القرار.

لا يمكن أن يعمل رئيس الحكومة دون هيئة مكتب مستشارين دائمة علي أعلي مستوي، مستشارون بمهام محددة وتكليفات واضحة، مستشارون مسئولون عن معاونة رئيس الحكومة في رسم السياسات ومتابعة تنفيذها، وتحليل الملفات المطروحة عليها لاتخاذ القرار المناسب في أسرع وقت. مستشارون لهم ديمومة ومرتبات وصلاحيات، ويمثلون جزءًا لا يتجزأ من الهيكل التنظيمي والمؤسسي لمجلس الوزراء. لا أتحدث هنا عن منصب أمين عام مجلس الوزراء أو المدير الإداري لمكتب رئيس الحكومة، أتحدث عن مكتب فني علي أعلي مستوي. مستشارون معنيون بالسياسات الاقتصادية، والشئون السياسية، والشئون الإعلامية. ولا أتحدث ههنا عن مستشار صحفي أو متحدث إعلامي، وآخر لشئون العدالة الاجتماعية. مستشارون يلتقي بهم رئيس الحكومة يومياً، يحضّرون الملفات والأجندات، ويديرون الأزمات من مكتب رئيس الوزراء، ويعاونونه في متابعة تنفيذ القرارات، ووضع الاستراتيجيات، ومتابعة الأداء مع الوزارات المعنية. لا أري أية غضاضة في إحياء منصب وزير شئون مجلس الوزراء مرة أخري في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر؛ لرفع كفاءة الجهاز التنفيذي الحكومي.

لا أفهم لماذا تم تجميد المجلس التنسيقي بين البنك المركزي والحكومة، إن وجود محافظ البنك المركزي في المجموعة الوزارية الاقتصادية استثناء من الأصل، فهو ليس عضوا بالحكومة، وهو غير معني بمشكلات قطاع الاتصالات والاسكان. لا مانع من دعوة المحافظ في ملفات محددة لضمان عدم تعارض السياسات المالية مع السياسة النقدية، أو لمناقشة أمور تخص المؤسسات التمويلية. هناك حدود واضحة بين مهام البنك المركزي ومهام الجهاز الحكومي. إن تعطيل المجلس التنسيقي هو تعطيل لنصوص تشريعية دون سند.

بعض الوزارات لا تتبعها سوي هيئة واحدة، فبدأ يحدث التشاحن بين ديوان الوزارة والهيئة. وبعض الوزارات بها أكثر من (18) مساعدا للوزير، وغالبهم يخدمون لفترات محدودة فيصعب وجود سياسات مستقرة. وهناك بعض الهيئات التي تتبع رئيس الوزراء، وتسند تبعيتها لوزراء غير مختصين في مجال الهيئات التابعة، فتختل دفة التوجيه. كل هذه أمور تحتاج إلي إعادة نظر، والبداية دائماً في أي إصلاح تكون اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب في الوقت المناسب، وتحديد أهداف ومهام وتوقيتات محددة لتنفيذ خطة الإصلاح. اللينك
استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الخميس، 30 أبريل 2015

أسئلة للحكومة المصرية

جريدة الاخبار - 30/4/2015

هل فعلاً هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة جاهزة لمشاركة المطورين العقاريين من القطاع الخاص؟

1- هل ستطبق الحكومة «ضريبة القيمة المضافة»؟


من يسافرون كثيراً إلي أوربا يدركون مفهوم ضريبة القيمة المضافة «Value added tax»، وهي شبيهة بمفهوم ضريبة المبيعات. ولكن ضريبة القيمة المضافة أكثر شمولاً؛ فهي تنطبق علي كل السلع والمنتجات والخدمات تقريباً. وتضاف إلي سعر الفاتورة وتتراوح نسبتها بين 12% و15%.

وتتجه الحكومة المصرية إلي تطبيق ضريبة القيمة المضافة، وتتوقع الحكومة أن تدر هذه الضريبة حوالي 35 مليار جنيه لإيرادات الخزانة العامة. وأشك كثيراً في صحة هذا الرقم، وأعتقد أن العائد لن يزيد عن 7 مليارات جنيه علي أكثر تقدير، وسيتسبب في رفع التضخم إلي أقصي مدي في ذات عام تطبيقه. وهناك إشاعات أن الحكومة تسعي إلي البدء في تطبيق هذه الضريبة ببداية العام المالي الجديد، أي اعتباراً من شهر يوليو القادم. والمشكلة الرئيسية في ضريبة القيمة المضافة أنها تعني ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وتؤدي إلي زيادة التضخم.فهل استعدت وزارة المالية ومصلحة الضرائب مؤسسياً لتطبيق الضريبة وتحصيلها بكفاءة لتجنب ارتباك السوق والاستثمار؟

أنا مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة ولكن بثلاثة شروط؛أولها: الاستعداد المؤسسي والفني الجيد، ولست مطمئناً لاستعداد مصلحة الضرائب، ولا أعتقد أن لديها حالياً الكفاءات والبنية الأساسية اللازمة لتطبيق هذه الضريبة بشكل كفء ودون إرباك للاستثمار وللمستهلكين. والشرط الثاني: هو اختيار التوقيت المناسب اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، ولا أعتقد شخصياً أن هذا العام وهذا الصيف الساخن هو التوقيت الأمثل لرفع الأسعار وزيادة التضخم في وقت تشهد فيه مصر انكماشاً اقتصادياً، وبطالة مرتفعة، وقدرا من الإحباط، ومحاولة تصيد الأخطاء. والشرط الثالث: تهيئة الرأي العام والمُنتجين والمصنّعين ومقدمي الخدمة بكافة الأبعاد الفنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الضريبة، حتي يكونوا جزءا من صُنع القرار. ولا أعتقد أن أيّاً من الشروط الثلاثة متحقق، ولذا وجب مزيد من الدراسة ومزيد من الاستقرار، ولتكن البداية هي العام المالي 2016-2017. أرجو من وزير المالية عدم الاندفاع بل الاستماع إلي صوت العقل. التأني في إصدار قرارات مدروسة أفضل عشرات المرات من التعجل في إصدار قرارات غير مدروسة، ولعل نعتبر بضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة.

2-  متي سيتم إجراء الانتخابات البرلمانية؟

لا أعلم حقاً إذا كانت الحكومة لديها إجابة علي هذا السؤال، وإذا كانت تملك من أمرها شيئاً فيه. ولكن إدارة الأمور السياسية بنظام اليوم بيومه أمر جَدّ خطير، ويؤدي إلي حالة من الرخاوة والسيولة المؤسسية لها خطورتها البالغة علي استقرار الدولة. ليس من المقبول ألا يكون هناك موعد محدد للانتخابات البرلمانية، ليس من المقبول أن نعيش بمنطق الحرب خدعة، ليس من المعقول أن نخفق لهذا الحد في تحديد جداول محددة، ليس من المقبول أن يكون المشهد السياسي بهذه العبثية، ليس من المعقول أن ترسانة الدولة من مؤسسات قضائية وقانونية عاجزة عن إصدار قانون انتخابات لا يتعارض مع الدستور. حالة الانتخاب واللاانتخاب؛ السياسة واللاسياسة؛ تضعف من مصداقية مؤسساتنا السياسية. أعود وأكرر وجود برلمان متعب ومزعج أفضل كثيراً مما نحن فيه... يجب أن نتقدم إلي الأمام، ونستكمل المؤسسات الدستورية. إن هذه الخطوة لازمة لاستكمال مسيرة الإصلاح الاقتصادي.

3- هل هدف السياسة النقدية ينتهي عند محاربة السوق السوداء؟

الإجراءات الأخيرة الخاصة بمواجهة السوق السوداء للدولار الأمريكي نجحت بلا شك في الحد من هذه السوق علي المدي القصير. ولكن كانت هناك أيضاً تداعيات أخري أثرت بشكل سلبي علي نمو الاقتصاد الكلي، وأدت إلي انكماش التجارة الخارجية والداخلية علي حد سواء، وأدت إلي التعثر المالي للعديد من المصانع، فهذه المؤسسات كانت تلجأ مضطرة للسوق السوداء لعدم تلبية احتياجاتها المشروعة من البنوك، أما الآن فتوقف كثير من الأنشطة لعدم قدرتها علي تلبية احتياجاتها من العملة الأجنبية، لا في السوق السوداء ولا في السوق البيضاء!! فالمحصلة: انكماش اقتصادي جديد وانخفاض محتمل في النمو. لابد من بدائل تمويلية، ولابد من تحسين مناخ الاستثمار. المنع ليس هو الحل. السوق السوداء ما زالت مستمرة من خلال تحويلات وترتيبات في الخارج، واسألوا عن تغير العملة المصرية في دبي.

4- لماذا ألغت الحكومة المناطق الحرة الخاصة؟

فجأة وبدون أية مقدمات، وبدون أي مناقشات مع أصحاب الشأن؛ ألغت الحكومة بمقتضي قانون الاستثمار المناطق الحرة الخاصة، وهي استثمارات تجاوزت ثلاثين مليار جنيه علي الأقل. وحصيلة رسومها لا تقل عن حصيلة الضرائب التي تسددها المصانع المثيلة بنظام الاستثمار الداخلي، ويتعرض أصحاب هذه المصانع الآن لتحرش غير مسبوق من الجمارك، ومن وزارة التجارة والصناعة، رغم أن تراخيصها لا تزال سارية. إن وزارة المالية كانت الضاغط الأساسي لإلغاء هذه المناطق، وللأسف رضخت وزارة الاستثمار لهذه الضغوط دون دراسة وافية بدعوي أن بعض المناطق الخاصة تلجأ إلي ممارسات ضارة، والحقيقة أن التهرب الجمركي ليس في هذه المناطق، فهي جميعها تحتوي علي استثمارات أجنبية ومصرية، وتخضع لرقابة محكمة... ارحمونا إذا كانت هناك بعض المخالفات فلا يعني هذا القضاء علي صناعات واستثمارات بالمليارات وتشريد عمال بالآلاف في غمضة عين...

5- هل فعلاً هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة جاهزة لمشاركة المطورين العقاريين من القطاع الخاص؟

انهالت علينا الأخبار بأن هيئة المجتمعات العمرانية في سبيلها إلي مشاركة المطورين العقاريين وبناء مشروعات مشتركة معهم من خلال تحصيل مقابل الأراضي في صورة نسبة من الإيراد أو من خلال الحصول علي وحدات بعد بنائها. والدافع المعلن لذلك هو السماح للمطورين العقاريين بالبناء دون تحصيل مبالغ نقدية عالية منهم في البداية مما يسمح لهم بسرعة إنجاذ المشروعات.. عفواً يا سادة... أجهزة الدولة الإدارية غير مهيأة للمشاركة في مشروعات تجارية... وأقسم بالله أن هذه المشاركة لو حدثت سيُتَّهم الجميع بلا استثناء بجريمة تسهيل الاستيلاء علي المال العام في ظل القوانين واللوائح ونظم المحاسبة الحكومية القائمة.. لن يتحقق تطوير في نظم التنمية العقارية دون إعادة النظر في نظم التمويل العقاري. والسماح بالتمويل العقاري للمطورين والمستهلكين قبل الانتهاء من عملية البناء، أما في ظل القواعد الحالية والتي لا تسمح بالتمويل العقاري إلا بعد انتهاء المشروع بالكامل!! 

فإن النتيجة هي عدم التزام أحد بالقواعد؛ولا تزال الحكومة مثل النعامة تدفن رأسها في الرمال!! اللينك


استمع الي المقال عبر منصة اقرأ لي.. اللينك 

الأربعاء، 22 أبريل 2015

تحديات الاستثمار والنمو الاقتصادي في مصر بعيون الآخرين (2)



جريدة الاخبار- 2015/4/23

فيجب الإسراع بإعادة تأهيل مراكز التدريب المتعددة، ووضع استراتيجية واضحة للحكومة تشارك فيها وزارة التعليم، والتعليم الفني، والقوي العاملة، والتجارة والصناعة، والإسكان

يا سادة لا يمكن النهوض بالدولة، ولا التقدم إلي الأمام دون تطوير العنصر البشري والاستثمار فيه.
طبقاً لتقرير "مخاطر التشغيل" الصادر عن إحدي المؤسسات العالمية المتخصصة، والذي أشرنا إليه في المقال السابق، تواجه مصر ثمانية تحديات رئيسية لتحقيق النمو الاقتصادي.
ولعل أول هذه التحديات وأهمها هو هجرة العقول من مصر، والنزيف المستمر للقدرات الفنية وتسربها إلي الخارج جيلا بعد جيل.

فصارت الأجهزة الحكومية والمؤسسات الاقتصادية العامة تعاني من فقر حقيقي في الكفاءات، وأصبح من السائد أن تسمع أحد كبار المسئولين يقول "ماعنديش حد كويس"... "مش لاقي كفاءات". والحقيقة أنه رغم هجرة العقول إلي الخارج، أو حتي من المؤسسات الحكومية إلي المؤسسات الخاصة في الداخل؛ فلا تزال   هناك فرصة وقدرة علي جذب الكفاءات مرة أخري إلي المؤسسات الحكومية. ولكن يجب أن نشير كذلك إلي أن سوق العمل الفني صار يعاني من ندرة الكفاءات الفنية والعمالة المهرة.

وهناك خطوات يجب الإسراع بها لمواجهة هذا التحدي. فبالنسبة للتعليم الفني - وقد أصبح عندنا وزارة متخصصة في التعليم الفني والتدريب - فيجب الإسراع بإعادة تأهيل مراكز التدريب المتعددة، ووضع استراتيجية واضحة للحكومة تشارك فيها وزارة التعليم، والتعليم الفني، والقوي العاملة، والتجارة والصناعة، والإسكان، والتعاون الدولي. فكل وزارة من هذه الوزارات – باستثناء التعاون الدولي - لديها العشرات من مراكز التدريب والمعاهد، ولكنها كلها لا يربطها رابط واحد ولا استراتيجية واضحة. ويجب أن يكون هناك تنسيق كامل بين هذه الوزارات فيما بينها، ومع اتحاد الصناعات والغرفة التجارية. يجب أن تكون هذه المراكز والمعاهد مراكز حقيقية مؤهلة لإعداد أفضل الكوادر الفنية في المجالات المختلفة ولكافة القطاعات الصناعية والزراعية، ويجب أن تكون جميعها مراكز معتمدة ووثيقة الصلة بالمؤسسات التدريبية العالمية، ويجب أن يكون لها استراتيجيات وأهداف محدودة تربطها بالسياسات الاقتصادية للدولة، وباحتياجات سوق العمل. وأذكر مرة أخري، أن نجاح القطاع المصرفي وقطاع الاتصالات في مصر كان أحد مقوماته وجود مراكز تدريب متخصصة عالية الكفاءة.

ومن الخطوات الأخري الواجب التعامل معها لمواجهة ظاهرة تسرب الكفاءات الفنية - خاصة في المؤسسات الاقتصادية مثل الشركات العامة، والهيئات الرقابية الفنية - هو ضرورة إصلاحها مؤسسياً وتطوير أدائها. ولابد من إعادة النظر في كيفية تطبيق الحد الأقصي للأجور، وربط الأجور بالإنتاج وتحقيق أرباح للمشروعات الاقتصادية. يا سادة لا يمكن النهوض بالدولة، ولا التقدم إلي الأمام دون تطوير العنصر البشري والاستثمار فيه.

إن سوق العمل المصري من حيث كفاءة العاملين وتوافر الكوادر الفنية لاحتياجات السوق يأتي في المرتبة الـ(16) في الشرق الأوسط، وهي مرتبة متدنية، فتسبقنا إسرائيل وإيران والأردن وتونس ولبنان، بل والجزائر والعراق وسلطنة عمان. ولا يأتي بعدنا - طبقاً للتقرير- سوي اليمن والمغرب!! والسبب الرئيسي لهذا الموقع المتردي والذي نعيش واقعه هو سوء حالة التعليم الأساسي والفني والجامعي.
ومن التحديات - التي رصدها التقرير- والتي تواجه مناخ الاستثمار في مصر، وتعيق نمو التجارة الداخلية؛ هو سوء حالة شبكة الطرق، وتردي حالة شبكة السكة الحديد، وعدم تطوير آليات النقل النهري.

فعلي الرغم من تميز مصر وقدرتها علي تنمية الصادرات والمساهمة في نمو التجارة العالمية من خلال قناة السويس والموانئ البحرية المتعددة، إلا أن التجارة الداخلية ونقل البضائع والخدمات اللوجيستية والنقل الداخلي يعاني من سوء الحال ويساهم بشكل فاعل في إضعاف قدرات مصر التجارية والاقتصادية.

التوجه نحو مشاركة القطاع الخاص لتطوير بدائل للطرق البرية أمر في غاية الأهمية. مصر كانت الدولة الأولي في أفريقيا ومن الدول العشر الأولي علي مستوي العالم التي أنشأت شبكة للسكك الحديدية، وللأسف عفي عليها الزمان وأكلها الدهر حتي صارت شبكة السكك الحديدية في مصر واحدة من أسوأ (3) شبكات للسكك الحديد في الشرق الأوسط!! وصارت حوادث السكك الحديد في مصر من أعلي النسب في العالم

الاستثمار في هذا القطاع صار أمرا حتميا، وفي ظل العجز في الموازنة والقصور في الموارد، فإنه لابد من فتح الطريق للاستثمار الخاص في السكك الحديدية، وللربط بين المحافظات المختلفة واستخدامه بشكل مكثف في نقل البضائع. نفس الشيء ينطبق علي النقل النهري... بصراحة مش قادر أفهم إحنا مستنيين إيه؟ وللحديث بقية... اللينك
استمع الي مقالي فى الاخبار عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكماللينك 


الخميس، 16 أبريل 2015

تحديات الاستثمار والنمو الاقتصادي في مصر بعيون الآخرين (1)


جريدة الاخبار - 16/4/2015

نحن قادرون علي تحويل أحلامنا إلي واقع إذا التزمنا بمنهج إصلاحي مدروس، وقادرون علي النجاح بأسرع مما نتصور. 

خلّف المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ أجواءً إيجابية إلي أبعد مدي، ووضع مصر بجدارة مرة أخري بقوة علي خريطة الاستثمار العالمية. ولكن لا تزال التحديات علي أرض الواقع قائمة، وعلينا أن نعمل بشكل مؤسسي لإزالتها. ولعل من أكثر الدراسات عمقاً في هذا الخصوص، التقرير الربع سنوي الذي يصدر عن مؤسسة  تحت عنوان «تقرير مخاطر التشغيل». فهذا التقرير يقيس درجة مخاطر الاستثمار في كل دولة من دول العالم، ويحلل بشكل دوري مواطن القوة والضعف في اقتصاديات الدولة المعنية. ويتسم هذا التقرير بالحيادية والمهنية الرفيعة


وأضع تحت نظر المسئولين في مصر ملخص التقرير الصادر عن الربع الأول من عام 2015 لكي نحلله، ونستفيد منه. فنحن قادرون علي تحويل أحلامنا إلي واقع إذا التزمنا بمنهج إصلاحي مدروس، وقادرون علي النجاح بأسرع مما نتصور. وأضع ملخص التقرير المذكور في السطور التالية لكي نري مواطن قوتنا وضعفنا والتحديات الموجودة بأعين المؤسسات المتخصصة:

نقاط القوة:
 
يوجد وعاء ضخم من العمالة غير المدربة تدريباً عالياً، وهي تصلح في قطاع الإنشاءات والتعمير.. معدل النمو العمراني مرتفع، وتوجد عمالة متاحة للمشروعات الصناعية كثيفة استخدام العمالة.. تمثل قناة السويس المفتاح الرئيسي للتجارة العالمية البحرية، وهو ما يعني أن الموانئ البحرية لمصر مفتوحة أمام الشركات العالمية، وبنفقات غير مرتفعة، ووقت مثالي.

 
مصر بتعدادها السكاني المرتفع تمثل سوقاً مهماً ومفتوحاً من خلال وسائل الإنترنت، وهو ما يسمح لمؤسسات الأعمال بالوصول إلي قاعدة ضخمة من العملاء.. مصر تقدم بشكل مقبول سوقا قابلا للتعامل معه من قبل المستثمرين الجدد.. النظام الضريبي صار أكثر وضوحاً في الفترة الأخيرة.. معدل الجريمة منخفض نسبياً بالمقارنة للدول الأخري في العالم..  الجيش المصري هو الجيش الأكبر في الشرق الأوسط، ومن أفضلها تسليحاً. وهو ما يعني أن تهديد الأمن المصري من الخارج محدود.

 
أما نقاط الضعف طبقاً للتقرير، فهي تشمل ما يأتي:
انتشار الإضرابات والاعتصامات العمالية علي نحو غير مؤسسي مما يشل نشاط المصانع ويربك سلسلة التوريدات.. صعوبة حصول العمالة الأجنبية المدربة وذات القدرات الفنية العالمية علي تراخيص العمل، علي الرغم من وجود نقص في المهارات التي ينتجها التعليم المصري في السوق المصرية.. عدم كفاية شبكة المرافق مما يؤدي إلي توقف الأعمال والالتزام بالتوريدات، وهو ما يؤدي إلي خسائر ملحوظة في القدرة الإنتاجية.. النقص في وجود بدائل عالية الجودة للنقل البري وشبكة المواصلات، نظراً لتردي حالة خطوط السكك الحديدية، وعدم تطوير شبكة النقل النهريِ، وهو ما يعني إضعاف التجارة الداخلية.

هناك العديد من القيود التي تحيط بفتح أنشطة اقتصادية جديدة أو إنهائها وهو ما يسبب تأخيرا باهظ الثمن للمستثمرين.
انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة نتيجة عدم الاستقرار السياسي.. التهديدات الإرهابية لاتزال ملحوظة وهو ما يرفع من معدل المخاطرة للمصريين والأجانب علي حد سواء.

 
الفرص المتاحة أمام مصر طبقاً للتقرير:
 
الاستثمار البشري - أي الاستثمار في التعليم - من شأنه زيادة قوة العمل المدربة وذات المهارات الفنية المرتفعة علي مدار الوقت.
توجد فرصة عظيمة لنمو سوق العمل بين النساء حيث لايزال معدل تشغيل النساء ضعيفاً.
 
تقوم الحكومة الحالية برئاسة السيسي - علي حد تعبير التقرير - باستثمارات ملحوظة لتحسين شبكة المرافق وخاصة في قطاع توليد الكهرباء، حيث إن انقطاع الكهرباء المتكرر يسبب قلاقل اجتماعية.. موقع مصر كمحور إقليمي في التجارة الدولية في سبيله إلي التحسن مع التوسعات المستمرة في خدمات النقل الجوي بمطار القاهرة الدولي.
 
مصر في موقع متميز لكي تصبح شريكا تجاريا رئيسا مع أوروبا وآسيا نتيجة للدور المحوري لقناة السويس في التجارة العالمية.


يوجد فرص كبيرة للنمو والاستثمار في القطاع المصرفي حيث إن معدلات التمويل لاتزال محدودة..  الإطاحة بالإخوان المسلمين من السلطة أدي بشكل ملحوظ إلي تحسن الوضع الأمني..  التهديدات أو التحديات التي تواجه مناخ الاستثمار والنمو الاقتصادي:


 
توجد مخاطر حقيقية بشأن إمكانية تزايد إضرابات واحتجاجات العمال، والإضرابات المدنية، مما من شأنه التأثير سلباً علي مناخ العمل والاستثمار.. هجرة العقول من مصر أصبحت تمثل خطراً حقيقياً حيث إن العمالة المدربة وأصحاب القدرات المتميزة في هجرة مستمرة إلي خارج البلاد، وهو ما يؤدي إلي عدم توافر كفاءات حقيقية داخل البلاد في المجالات التي تحتاج إلي تخصص فني وإداري.


 
زيادة عدد السيارات الخاصة بشكل مستمر، وعدم توافر بدائل جيدة للمواصلات العامة، وتردي حالة الطرق في المدن الرئيسية؛ يعني المزيد من الازدحام، وتعطل التجارة الداخلية.


تعاظم الفقر المائي من شأنه أن يؤثر سلباً علي نمو القطاع الزراعي، والصناعات التي تعتمد علي الاستهلاك العالي من المياه.


 
المخاطر السياسية أدت إلي فقدان المستهلك للثقة في المستقبل وتناقص معدلات الإقراض، وهو ما يؤثر علي القدرة علي الإنفاق.


 
تزايد الفساد صار من أكثر الاعتبارات التي تعيق المستثمرين الجدد علي الدخول إلي السوق المصري.. الجريمة المنظمة والتنظيمات العصابية تزايدت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.. شعبية مصر كمزار سياحي، وأهمية مصر كمحور للتجارة العالمية من خلال قناة السويس يجعل من مصر هدفا جذابا للهجمات الإرهابية.


خلاصة هذا التقرير أن مواطن قوتنا تتمثل بشكل رئيسي في وجود جيش قوي، وممر مائي يمثل شريان التجارة العالمية، وسوق واعدة. أما مواطن الضعف والتحديات فتكمن في تناقص مصادر الطاقة، وتعاظم البيروقراطية، والفساد، وسوء حالة التعليم، ومخاطر الفقر المائي، والعمليات الإرهابية، وتردي البنية الأساسية خاصة شبكات النقل والمواصلات.

قد نتفق أو نختلف علي بعض ما جاء في هذا التقرير، ولكن المهم هو كيف نستفيد من نقاط القوة ونطورها، وكيف نعمل علي إصلاح الخلل الموجود حالياً لتحقيق التنمية.
وللحديث بقية... اللينك

استمع الي مقالي عبر منصة اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم. اللينك 

الخميس، 9 أبريل 2015

الخطأ المشترك للرؤساء عبد الناصر والسادات ومبارك

جريدة الاخبار - 9/4/2015


إن كافة آمال الشعوب وطموحاتها، والسياسات الإصلاحية الجادة، تنكسر علي حائط بيروقراطية الجهاز الإداري للدولة وفساده

لسنا هنا بصدد تقييم فترات حكم الرؤساء جمال عبد الناصر، ومحمد أنور السادات، وحسني مبارك، ولكن في رأيي أنه كان لهم جميعاً خطأ مشترك واحد وقعوا فيه. جميع الرؤساء السابقين ركّزوا في محاولات النهضة فقط علي فكرة المشروعات القومية الكبري؛ فكان للرئيس جمال عبد الناصر طموحات قومية داخل مصر وخارجها، بدءاً بمشروع الوحدة وتحرير أفريقيا والدول العربية، مروراً بإنشاء الصناعة الوطنية وانتهاءً بمشروع السد العالي.

وكذلك الرئيس السادات كان له مشروعاته القومية بدءاً بحرب أكتوبر، وانتهاءً بالمدن الجديدة (6 أكتوبر، والسادات، والعاشر من رمضان). أما الرئيس مبارك فكانت مشروعاته القومية أقل طموحاً، وتركزت علي استكمال البنية الأساسية مثل الكباري ومحطات الكهرباء والمياه وخطوط التليفونات ومترو الأنفاق، واستكمال التوسعات في المدن الجديدة.

ولكن لم يهتم أي منهم أو يعطي أولوية لإصلاح الجهاز الحكومي ورفع كفاءة أداء المرافق العامة والقائمين عليها. فلم يكن الإصلاح المؤسسي علي قائمة أولويات أي من الرؤساء المذكورين. وهذا هو مربط الفرس، والفارق بيننا وبين دول أخري نجحت رغم أن مصر بدأت معها برامجها في الإصلاح الاقتصادي.
ففي حين ركزنا في مصر علي الإنفاق علي المرافق العامة الجديدة، وسياسات الإصلاح الاقتصادي؛ لم نعط أولوية في إصلاح الجهاز الحكومي وتطوير أدائه، ومعه تطوير مرفق التعليم. في حين اعتمدت دول -مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتركيا وقبلها هونج كونج- علي محاور ثلاثة رئيسية، وهي تستهدف تحقيق معجزتها الاقتصادية، أولها: تحسين المرافق الأساسية من خلال مشروعات قومية عملاقة، وثانيها: رفع مستوي وأداء الجهاز الحكومي بمعناه الواسع، وجذب أفضل العناصر والكفاءات للعمل الوزاري والعمل الحكومي، وللمستشفيات العامة والمصانع المملوكة للدولة. وواجهت هذه الدول الفساد الحكومي بوضع نظم مالية لجذب أفضل العناصر الفنية والمهنية، علي الرغم من نقص الموارد الحكومية في ذلك الوقت.

تغيير حكومة بعد حكومة في ذات المناخ المؤسسي سيؤدي إلي نفس النتيجة وذات الفشل ما لم يكن تغير الحكومة مصحوباً بتغير مؤسسي حقيقي. هذا ما قاله (لي كون يون) مؤسس سنغافورة الحديثة.
أما المحور الثالث للإصلاح فكان الاهتمام بالتعليم وجودته ومضمونه الاجتماعي، وما يحمله من قيم التعلم وروح العمل الجماعي، وخدمة المجتمع، والإنجاز، والعدالة. وبالمناسبة مستوي التعليم في مصر سواء التعليم الأساسي أو الفني أو العالي في الستينات، بل وحتي منتصف السبعينات، كان أعلي من مستوي التعليم في هذه الدول جميعها.

لن أملّ وأنا أكرر يوماً بعد يوم، أن مصر لن ينصلح حالها ولن تقوم لها قائمة ما لم نبدأ بجدية في الإصلاحين المؤسسي والتعليم. مهما بنينا من مشروعات قومية، وحققنا من إنجازات في هذا المجال، فلن يؤتي ثماره وتتحقق الاستمرارية في النمو؛ والإصلاحين الاقتصادي والاجتماعي -كما حدث في الهند والصين وتركيا وماليزيا- دون أن يواكب ذلك إصلاح حقيقي للجهاز الحكومي ومرفق التعليم. بل إن هناك تجارب بعيدة عنا حققت طفرات وقفزات تستأهل الدراسة وهما فيتنام وسريلانكا... هذا البلد الأخير كان من أفقر شعوب العالم، وبه حروب أهلية فتاكة. نسبة الأمية في هذا البلد تضاءلت في أقل من عشر سنوات إلي أقل من 4%
إن كافة آمال الشعوب وطموحاتها، والسياسات الإصلاحية الجادة، تنكسر علي حائط بيروقراطية الجهاز الإداري للدولة وفساده.

مصر لا تخلو من التجارب الناجحة. القطاع المصرفي في مصر بنهاية 1999 وبداية 2000 كان يحتوي علي أكثر من 40 بنكاً مفلساً بمعني الكلمة، وكان من أكثر القطاعات فساداً. بدأت خطة إصلاحه الحقيقية بنهاية عام 2002، ولم يكن من الممكن تحقيق أي نجاح بشأن السياسات النقدية، وزيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتوسيع قاعدة الإقراض، وضخ الاستثمار في الاقتصاد الوطني وتمويل المشروعات دون إصلاح مؤسسي للقطاع. فبدأت خطة الإصلاح بتعيين أكثر الناس كفاءة في القطاع المصرفي، فعمل بالبنك المركزي د. فاروق العقدة محافظاً له، وعمل معه أفضل الكفاءات المصرفية والتي لايزال جميعهم علي قمة القطاع المصرفي الآن سواء داخل البنك المركزي أو في البنوك العامة أو البنوك الخاصة، وبدأت خطة الإصلاح بإعادة هيكلة البنك المركزي ذاته، وتطوير دوره في المحافظة علي استقرار الأسعار، وسلامة ومتانة الجهاز المصرف». وكانت البداية بديهية لأصحاب العقول، فإذا كان البنك المركزي بنك البنوك وبنك الحكومة ضعيفاً ومترهلاً، فسيكون وضع القطاع المصرفي، والاقتصاد المصري كله كذلك. ومن هنا كانت بداية الإصلاح هي الإصلاح المؤسسي لبنك الحكومة، وتبع ذلك إصلاح القطاع المصرفي برمته، وفي أقل من 4 سنوات فقط من بداية الإصلاح أصبح القطاع المصرفي المصري في خلال الأزمة المالية العالمية من أقوي القطاعات وأقلها تأثراً ولم تسبقه سوي سنغافورة. ولم تتأثر استثمارات البنك المركزي خارج مصر رغم الأزمة المالية العالمية في 2008 لأن إدارة هذه الاستثمارات عهد بها إلي أكثر الناس خبرة وكفاءة، فكان أثر الخسائر محدود للغاية.

هناك نموذج آخر نجح بشدة، وإن كان حقه مهضوماً، وهو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر. هذا القطاع نجح بنهاية التسعينات في تحقيق طفرة هائلة في مستوي تحسين الخدمات، ودخول مصر للعصور الحديثة، نجاح هذا القطاع أيضاً بدأ بعمليات إصلاح مؤسسي حقيقية للجهاز الحكومي والرقابي، وشركات الخدمات العامة، وفتح المنافسة المشروعة، فنجح هذا القطاع ليضع مصر علي خريطة العالم، ونجح في جذب كفاءات عالية للعمل الحكومي، ونجح من خلال الإصلاح المؤسسي في أقل من خمس سنوات في تحقيق قفزة، وللأسف تعرض هذا القطاع للإهمال علي مدار الخمس سنوات الماضية، ومع ذلك تحتل مصر علي مستوي البنية الأساسية وكفاءة القطاع رقم (61) علي مستوي دول العالم البالغ عددها حوالي 151 دولة. واستمرار الإصلاح المؤسسي في هذا القطاع أمر ضروري ولازم لإصلاح التعليم وجذب الاستثمار وتحقيق التنمية الإدارية والإصلاح الحكومي بشكل عام.

إتمام المشروعات القومية وحده ونهضته لن يحقق التنمية، فعلي سبيل المثال؛ محطات الكهرباء التي أنشأتها الدولة تعمل معظمها بـ35% من طاقتها بسبب سوء حالة الصيانة والتشغيل، في حين تبلغ كفاءة محطات الكهرباء التي يديرها القطاع الخاص 97% إلي 100% من إجمالي طاقتها. ما لم نحسن تدريب الجهاز القائم علي الصيانة ونطور كفاءته   الإدارية والمالية فستتحول هذه المشروعات إلي خرابات...

هناك قطاعات في الدولة بأقل مجهود يمكن أن تساهم في تحقيق طموحاتنا، علينا أن نحافظ علي نجاحات القطاع المصرفي وقطاع الاتصالات، ويجب أن تنتقل نوبة الإصلاح إلي قطاع الكهرباء والبترول والنقل البري والبحري، والتعليم، والقضاء، والموارد المائية، والاستصلاح الزراعي والثروة السمكية. لو نجحنا ونحن قادرون- علي تحقيق طفرة ملموسة في هذه القطاعات خلال الأعوام الثلاثة القادمة وأعطيناها الأولية، سنحقق انطلاقة عظيمة في كافة المجالات بعد ذلك... صدقوني. اللينك
استمع الي مقالي فى الاخبار عبر اقرأ لي.. ارجو ان ينال اعجابكم. اللينك